عندما يعيد المغرب القدس إلى الواجهة

عندما يعيد المغرب القدس إلى الواجهة

خيرالله خيرالله

قبل أيّام انعقدت في مراكش الدورة العشرون للجنة القدس برئاسة الملك محمّد السادس، رئيس اللجنة التي تهتم بأوضاع المدينة المقّدسة التي تحتلها اسرائيل منذ 1967 وتسعى إلى ضمّها. تبيّن في ضوء ما أسفرت عنه اجتماعات مراكش أن المغرب لا يتحرّك من فراغ. هناك معطيات جديدة في المنطقة تستدعي جهودا من أجل حماية القدس. بين هذه المعطيات الهجمة الإسرائيلية على المدينة من جهة، والجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي يبدو مصرّا على تحقيق إنجاز يدخله التاريخ عن طريق ربط اسمه بتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة أخرى.

قد ينجح كيري، كما قد لا ينجح في تحقيق ما يسعى إليه. لكنّ الثابت أن القدس تظلّ جزءا لا يتجزأ من أي تسوية مقترحة، بل في قلب التسوية.

من هذا المنطلق، كانت مبادرة الملك محمّد السادس رئيس لجنة القدس الذي دعا إلى انعقاد الدورة العشرين للجنة في مراكش. كانت مبادرته أكثر من طبيعية، خصوصا أن المغرب أخذ دائما على عاتقه حماية القدس وتأكيد هويّة المدينة بعيدا عن أي نوع من العنصرية والتزمّت. فما لا يمكن تجاهله هو أن الدفاع عن المسجد الأقصى بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس في العام 1967، انطلق من المغرب حيث انعقدت قمة من أجل القدس وحماية مقدساتها في العام 1969 ردّا على محاولة متطرّف إسرائيلي إحراق المسجد.

منذ ذلك التاريخ، وقبله، لم يتخلّ المغرب عن التزاماته. مع فارق أن المغرب، على خلاف آخرين في المنطقة وخارجها، لا يتصدّى للسياسة الإسرائيلية بالشعارات الطنانة والكلام الفارغ ومن أجل مآرب ذاتية. على العكس من ذلك، يقاوم المغرب الاحتلال ومحاولات تهويد المدينة بالأفعال وبخطاب حضاري ومنفتح يؤكّد أن الجانب العربي والإسلامي بعيد عن العنصرية.

أكثر من ذلك، إن المغرب ومن خلال تجربته الطويلة في مجال دعم القضية الفلسطينية وكلّ القضايا العربية، إنما يدعو إلى السلام.. ويتوق إليه. لم يقصّر المغرب يوما لا في دعم جهود السلام، ولا في دعم المجهود العسكري العربي عندما تطلّب الأمر ذلك. من يريد دليلا على ذلك، يستطيع العودة بالذاكرة إلى المشاركة المغربية في حرب اكتوبر 1973.

للمغرب شهداء دافعوا عن الحق العربي وسعوا إلى الانتهاء من الاحتلال. شهادة الدم تظلّ أبلغ من كلّ كلام يصدر عن هذا الطرف العربي أو ذاك ممن حاول التشكيك في السياسة المغربية وبالدور المغربي ماضيا وحاضرا. والمقصود هنا بعض العرب القريبين من المغرب، جغرافيا، وبعض البعيدين عنه أيضا، ممن احترفوا خطابات المزايدة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية.

لم يأبه المغرب بالكلام الذي لا معنى له على أرض الواقع. تحرّك عندما وجد أن ذلك بات ضرورة. اختصر محمّد السادس الكثير عندما قال في كلمة اختتم بها أعمال الدورة العشرين للجنة القدس: “نغتنم هذه المناسبة لنؤكّد تشبثنا بنصرة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلّة الكاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف. إنّ بلوغ هذا الهدف الأسمى يتطلّب وحدة الصفّ والتحرّك الفعّال مع التحلي بأعلى درجات التضامن والالتزام، وهو ما نؤكّد حرصنا على تجسيده، كرئيس للجنة القدس وفاء بعهدنا لإخواننا الفلسطينيين ولسلطتهم الوطنية الشرعية برئاسة الأخ أبو مازن، وعلى مواصلة الجهود لدعم صمودهم والمضيّ قُدما في عملية السلام وجوهرها التسوية المنصفة لقضية القدس الشريف. كذلك، يقتضي بلوغ هذا الهدف الأسمى التحلي بروح التوافق والواقعية والشجاعة اللازمة لاتخاذ قرارات صعبة وحاسمة ينتصر فيها منطق العقل والحكمة والأمل والحياة على نزعات التطرّف واليأس والعدوان بما فيه صالح شعوب المنطقة”.

كان العاهل المغربي أفضل من شرح أهمية انعقاد لجنة القدس في هذه الظروف بالذات. فسّر بعبارات قصيرة ما يفترض بالمجتمع الدولي وبإسرائيل، المعنية قبل غيرها بإعادة الحقوق العربية والإسلامية إلى أصحابها، فهمه. قال في هذا المجال: “من هذا المنطلق، فإن اجتماعنا اليوم يعدّ رسالة إلى العالم بأننا أمة متعلّقة بالسلام وحريصة على تحالف الحضارات والثقافات. ذلك أنّ تشبثنا بهوية القدس ليس فقط لأنّها أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولكن أيضا لتظلّ، وكما كانت دوما، رمزا لوحدة الأديان السماوية وفضاء للتعايش بين أهلها في جوّ من السلام والوئام”.

في الماضي القريب شكّك الظلاميون، من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بالدور المغربي في حماية القدس. تجاهل هؤلاء ما يفعله المغرب مع غيره من العرب الخيّرين، على رأسهم الأردن، في حماية المدينة المقدّسة. رفضوا الاعتراف بما تقوم به «وكالة بيت مال القدس» وهي الذراع المالية للجنة القدس. لم تدّخر الوكالة جهدا في دعم صمود أهل القدس. نفّذت، إلى الآن، مئة وسبعة وعشرين مشروعا في مجالات التعليم والصحّة والسكن وشؤون المرأة والطفل والشباب والرياضة، وأعدّت دراسة دقيقة لمختلف المشاريع التي تنوي إنجازها مع تحديد آجال تنفيذها.

ما يقوم به المغرب في القدس من أجل القدس ومن أجل صمود أهل القدس يستند إلى أرقام وليس إلى مجرّد كلام عام من النوع الذي يصدر عن الإخوان المسلمين وغيرهم من الذين يبدو همّهم محصورا في كيفية تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني، نحو الأسوأ طبعا، وليس التخلّص من الاحتلال. هل هناك مثال أسوأ ممّا آل إليه وضع قطاع غزّة المحاصر برغبة من «حماس»، كي تتكوّن فكرة واضحة عن حقيقة ما يسعى إليه الفكر الظلامي؟

في الوقت المناسب وفي الإطار المناسب، عمل المغرب ما يتوجّب عليه عمله. عمل واجبه أوّلا. فالملك محمّد السادس صادق مع نفسه أوّلا. إنه لا يبيع شعبه الأوهام. إنه يقدّم إنجازات ملموسة يستطيع كلّ من يزور المغرب رؤيتها بالعين المجرّدة. من هو صادق مع نفسه وشعبه لا يمكن إلا أن يكون صادقا مع الفلسطينيين، الذين يتوجّب عليهم الاعتراف بأن عليهم مساعدة أنفسهم أوّلا قبل طلب مساعدة الآخرين لهم.

(العرب اللندنية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث