شارون أم الشارونية؟

شارون أم الشارونية؟

خيري منصور

لو أن الموتى يموتون مرة أخرى لكان الإعلان عن موت شارون دقيقاً وفي موعده، لكن الجنرال غادر هذا العالم منذ زمن طويل، فكان من بين الذين تأجل دفنهم، لكن ما لم يمت بعد هو الشارونية إذا استخدم هذا المصطلح كتعبير عن استمرار منهج راديكالي في الصهيونية، لهذا لم تدفن مجازر قبية وصبرا وشاتيلا وغيرها مع الجنرال، وستبقى إلى الأبد جرائم وأمثولات مقترنة باسم شارون الذي لم يمت، وفي نفسه شيء من حتى كما يقال عن سيبويه، بل مات وفي نفسه أشياء كثيرة عن دويلة استيطانية حلم بأن يكون إمبراطورها .

السيرة الحمراء لهذا الجنرال باتت محفوظة عن ظهر جرح وليس فقط عن ظهر قلب، لهذا بدت خطب الوداع التي دبجها صحفيون وساسة غربيون لشارون كما لو أنها هوامش تضاف إلى سيرته الدموية، وقد لا يكون الآن في الدولة العبرية تيار أو اتجاه معلن باسم الشارونية، لكن المزاج الذي جسده شارون لايزال مبثوثاً في صفوف المستوطنين وغلاة المشروع الصهيوني التوسعي، وقد يكون أصدق ما كتب عن شارون من داخل “إسرائيل” ما كتبته الصحفية عميرة هاس، لأنه وصف دقيق لكل من كانت البوصلة الشارونية هي ما يحدد لهم الجهات والأهداف، ولأن التاريخ امتاز منذ بواكيره بالجدلية، فقد كان شارون أحد أهم الدوافع للانتفاضة الفلسطينية بعد أن تحدى إرادة الشعب بتدنيس الأقصى، ذلك ببساطة لأن كل احتلال يحمل بذور موته في داخله، لأنه مضاد لحركة التاريخ، ورهينة للأسطورة باعتبارها المرجعية الغيبية البديلة للتاريخ .

حين مات هتلر لم تدفن النازية معه، وظلت كمفهوم يحمل أسماء مستعارة عدة تعبر عن استمرارها رغم الحظر والشجب الكوني في مناسبات معينة، هكذا لا تدفن الجرائم في قبور مَن مارسوها، لأن الاجتثاث الجذري للشر في عالمنا لايزال حلماً عصياً على التحقق .

في يوميات شارون ثمة ثابت صهيوني تكرر في كل مذكرات الجنرالات على اختلاف المناصب التي شغلوها، فهو بقي في نطاق الرؤية التي بشر بها بن غوريون، وجاء نتنياهو من خلال مذكراته “مكان تحت الشمس” ليكرسها بل ليضيف إليها ما فاض من راديكاليته وعدوانيته وكراهيته للعرب .

لقد حسد شارون ذات يوم الفلسطينيين على شاعر هو محمود درويش، ولم يحسد العرب الدولة العبرية على شاعر من طراز حاييم بياليك أو “يهودا أميغاي” لأن هؤلاء حرضوا على القتل وبرروا السطو، وتحدثوا عن جغرافيا توراتية لا وجود لها إلا في مخيلتهم وما لقنوه من أوهام وأحلام .

مات شارون قبل أن يموت بأعوام لكن الورثة الذين يسيرون على النهج ذاته سيواصلون “شارونيتهم” بكل ما استطاعوا، فقد ودعوه بقرار استيطاني جديد، لقضم ما تبقى من أرض وقدس وشعب .

وكما أن الطغيان لا يموت ويدفن مع الطواغيت، والديكتاتورية لا تنتهي مع غروب ديكتاتور، فإن موت شارون ليس سوى نهاية فرد .

وهناك من ينوبون عنه وربما يعيدون إصداره بطبعة فريدة، تماماً كما جاء هو ومن معه بعد موت الرواد الأوائل .

المسألة ليست متعلقة بشارون، بل بالشارونية، لهذا يبقى موت الجنرال ناقصاً .

(الخليج الإماراتية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث