كتب في النار

كتب في النار
المصدر: عبده وازن

ترددت قليلاً في كتابة هذا المقال. حرق الكتب والمكتبات يظل أقل فداحة من حرق البشر، أحياء في أحيان كثيرة. مشهد كتب تُضرم فيها النار لا يضاهي مشهد اطفال ونسوة ترمى عليهم «براميل» البارود. هنا قتل وهناك قتل، لكنّ زهق ارواح الكتب أقل إيلاماً من زهق أرواح أناس، وحرمانهم نعمة حياة منحت لهم.

بدا مشهد حرق مكتبة «السائح» في طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني، العريقة تاريخاً، أليماً جداً، أياً تكن حوافزه والنيات التي ساورت الفاعلين، هؤلاء «الظلاميين» الذين يقتلون من غير رحمة. هذه المكتبة القديمة التي كانت طوال اعوام بوتقة للحوار الديني، الاسلامي- المسيحي، ما كانت تستحق مثل هذه المكافأة، ولا كان صاحبها الكاهن ابراهيم سروجي، المكتبي الدؤوب والساهر على ذاكرتها، يستأهل مثل هذه التحية. وإن أشيع في ما يُشاع، أنّ إحراقها غايته مادية أو عقارية، وليست تهجيرية فقط، فالذنب يظل فظيعاً وغير إنساني، ويظل الأشخاص الذين اقترفوا هذه الفعلة «مجرمين» وقتلة. الكتب هي الكتب والنار هي النار ومضرموها ليسوا ببشر.

كان مفاجئاً جداً ان يُستعاد في لبنان، هذا المشهد التاريخي الرهيب الذي كادت ذاكرة العصر تنساه. لكنّ الارهاب الظلامي على اختلاف انواعه، لم يوفر «بلد الارز والعسل»، بلد الكتاب والثقافة.

لم استطع، عندما شاهدت على الشاشة الصغيرة ألسنة اللهب تلتهم الكتب بنهم، إلاّ ان اتذكر كتاباً رهيباً هو «كتب في النار» للكاتب الفرنسي لوسيان إكس بولاسترون، وهو للمصادفة مستعرب وعالم في اللغة الصينية وله كتاب شبه موسوعي عن الخط العربي. يختصر هذا الكتاب الفريد «ملحمة» حرق الكتب منذ عصر اللفافات حتى محرقة سراييفو عام 1992، وبينهما مآسي الاسكندرية وروما وبغداد وإسبانيا محاكم التفتيش والثورة الفرنسية… كان جليّاً أن حرق الكتب هو من عمر الكتب. ولطالما كانت المكتبات في قلب الازمات السياسية والصراعات الدينية و «الحضارية» التي شهدها العالم، القديم والجديد. وكانت المكتبات تُعدّ في نظر المتسلطين خطرة وهدّامة ومخرّبة وترمز الى القدرة المطلقة التي هي قدرة العلم والمعرفة. هذا الكتاب الذي تُرجم الى لغات عدة وأُدرج في سلسلة كتب الجـيب (فوليو) يجب ان يترجم الى العربية إن لم يكن قد ترجم.

تذكرت أيضاً كتاب «او تو دا في» أو «الاعدام حرقاً» للكاتب الالماني اللغة الياس كانيتي، وقد يكون من أجمل – وأرهب – ما كُتب عن المكتبة والعيش داخلها. بطل هذه الرواية بيتر كيين يتخلى عن الحياة والعالم ليحيا في قلب مكتبته. وتبلغ به حال الهوس هذه مبلغاً حتى ليعلن أنّ «أفضل وصف للوطن هو المكتبة». أما خطر حرق المكتبة الذي عاشه كانيتي، فيواجهه البطل بخطة يسميها «الكتاب في الرأس»، هذا الكتاب لا تصله النار إلا بُعيد إحراق صاحبه. وأطرف ما ابتدع هذا البطل المهووس هو «مكتبة الطوارئ» وهي أشبه بما نسميه اليوم المكتبة الافتراضية ولكن القائمة في تلافيف الذاكرة.

ما أشدّ رهبة مشهد حرق الكتب أو إعدامها بالنار. لطالما تخيلت ان الكتب عندما تُحرق يصدر عنها أنين لا يُسمع، هو أنين الحروف والكلمات والصفحات، أنين أرواح الكتب. ينقل الكاتب ألبرتو مانغويل في كتابه البديع «تاريخ القراءة» المترجم الى العربية، كيف اضطرب الشاعر الالماني غوته عندما شهد في فرنكفورت مرة أحد مشاهد حرق الكتب وشعر كأنه يشاهد تنفيذ حكم بالإعدام. وكتب حينذاك: «إنّ مشاهدة شيء غير حيّ يُحرق أمر مروّع بذاته». ويسرد في الكتاب قصة حفلة لإحراق الكتب اقامها النازيون في العاشر من ايار (مايو) 1933 في إحدى ساحات برلين، وقد أشرف عليها وزير الدعاية جوزف غوبلز وحضرها مئة الف شخص وأحرق فيها عشرون ألف كتاب أمام عدسات المصورين. بدا غوبلز في أوج النشوة النازية عندما شاهد كتب ابرز الفلاسفة والمفكرين والروائيين العالميين تُحرق جهاراً ومنهم: فرويد وماركس وإميل زولا وهمنغواي وإنشتاين ومارسيل بروست وهاينريش مان وجاك لندن وبرتولت بريشت… لكنّ ما فات غوبلز وهتلر وسائر حارقي المكتبات عبر القرون المتوالية، أنّ الكتب لا تموت وأنّ اصحابها هم الذين سيبقون، بروحهم وأفكارهم ومواقفهم. حتى الذين أُحرقت كل كتبهم وجدوا من يحفظها في الذاكرة ويعاود تدوينها لتنشر وتنتشر.

ما يؤلم فعلاً في حرق مكتبة «السائح» في مدينة طرابلس اللبنانية، ليس ارتكاب هذه الجريمة الوحشية فقط، بل أن تحصل المحرقة في وطن سمّيت عاصمته قبل ثلاثة أعوام «عاصمة عالمية للكتاب» كما ارتأت منظمة اليونسكو. هذه جريمة تحتاج الى الكثير من الندم والتوبة لتُمحى من ذاكرة لبنان.

أما السؤال الذي لا بدّ من طرحه أخيراً، فهو: هل يتخلص العالم يوماً من جريمة إحراق الكتب؟ بعض المتحمسين للكتاب الالكتروني والمكتبات الافتراضية يتفاءلون قائلين: نعم.

*الحياة
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث