البلدان المنزوعة الإرادة

البلدان المنزوعة الإرادة
المصدر: سمير عطا الله

صدرت العام 2004 رواية عنوانها “الخراب، في عامهم الثالث”. ميم الجماعة هنا تعود إلى مجلس الحكام في بلدة فجَّة في شمال إنكلترا، العام 1630. المؤلف رونان بنيت، إيرلندي شمالي، كاثوليكي الأب، بروتستانتي الأم. بطل الرواية طبيب شرعي يدعى جيم بريغ.

مناخ الرواية قاتمٌ، موترٌ، وحزين. إنها إنكلترا عشيَّة الحرب الأهلية. والبروتستانت “الصارمون”، البيوريتانيون في البلدة، قسّموا العالم قسمين: معنا أو ضدنا. الداخل هو الفاضل، والخارج بغي، ولا مكان لمن هم لا هنا ولا هناك. الناس تراقب بعضها البعض في الكنائس والحانات والطرق: أي حركة مشبوهة قد تودي بصاحبها على أنه “جزويتي”. أي تمتمة صلاة في غير موعدها، تستدعي الملاحقة والتحقيق ونبش النيّات. وعندما يموت مولود امرأة إيرلندية (كاثوليكية) تُتَّهم فوراً بأنها خنقته، ويُطلب من جون بريغ أن يثبت ذلك، لا أن يثبت ما حصل.

جعل الرجل سكَنه خارج البلدة، لكي يرتاح، في الليل على الأقل، من نفث الحقد وهمجية الغرائز. كان ذلك أقسى عليه وأصعب من مشاهد مهنته ومنظر الموت مشرحاً. يعرض بنيت كيف تهاوى مجتمع البلدة وتحوَّل إلى مفترسين يتربَّصون “بكل من ليس منّا”. هنا الصواب، وهناك الخطأ. هنا الحق وهناك الباطل. إمّا نحن وإما هم.

كان الطبيب عضواً في مجلس الحكم المحلي أيضاً. مجلس الأنقياء والطاهرين والمعصومين. وكان يصغي في ألم داخلي شديد إلى مناقشات المجلس، ويرى مدى التعصُّب المجنون على الوجوه، ويلمحه في داخل النفوس. وشعر أن هذه الأوتار المشدودة إلى نفسها سوف تنفلت ذات يوم، وينفلت معها كل شيء، ولا يعود فارق بين داخل المدينة وخارجها، حيث يأوي المشرّدون والعاطلون والمومسات الإيرلنديات. سوف تنفجر مثل جسد من الأجساد التي يبقرها بحثاً عن سبب الوفاة.

كان المجلس يقرأ كل شيء، على أنه غضب من الله. شحّ الحصاد ونفوق المواشي. كَثرة المطر أو قلَّته. ولذلك كان الرب يعاقب الخاطئين، بمثل هذه الأحكام الجماعية دون تمييز، ومن كان يُكثر الاعتراض والكلام كانت توضع في فمه حديدة. وجون بريغ يتألم ويتَّجه إلى الانهيار. جميع مَن حوله رجال يملكون الحقيقة وضمائرهم مطلقة كلِّية لا تجوز مساءلتها. وهو يبحث عن الحياة بين بشر لا عن وكلاء آلهة ومفوَّضين من الرب. بشرٌ يسألون وِسادتهم، آخر الليل أو أول النهار، هل أنا فعلاً أملك كل هذه الحقيقة بين يديّ؟ مَن منَحَني هذه العصمة وهذه القوة وهذا الحق المطلق؟

يكون العمى البشري أحياناً في أفضلية البشرة، أحياناً في الدين، أحياناً في الطائفة، أحياناً في الإيديولوجيا. أقذع الأوصاف في حق الشيوعيين استخدمها الشيوعيون، لا الرأسماليون ولا الإمبرياليون. ماو كان يسمّي السوفيات رجعيين انحرافيين ذيليين مرتدّين. وهكذا وصف السوفيات تيتو، مضيفين إلى أوصاف الخيانة، “التيتوية” نفسها على أنها ظاهرة معادية للنعيم الشيوعي. حاول أن تقرأ – إذا حملتك نفسك على ذلك – ما يكتبه المتشدّدون عن “الغاندوية”. إنهم لا يطيقون شيئاً خارج فلسفة العنف والموت. ليس مهماً أن غاندي حقق استقلال الهند وهو جالس إلى نول صغير يدثر برده بثوب بسيط. كان عليه أن يقيم المذابح لكي يكون بطلاً.

تصرّف الرجل الأبيض على أنه يملك حقاً إلهيّاً في استعباد الأجناس الأخرى، والألوان التي ليست على “صورة الله ومثاله” كالأسود والأصفر والخلاَّس. والفتى الكوري المبجّل كيم جون – أون، هو الإله الذي عاقب زوج عمته على خيانته له. كيف؟ أطعم “ذلك الحثالة” للكلاب الجائعة، ثم ذهب إلى عمته يعزّيها. قلب مرهف، وأدبيات عالية.

اختار روان بنيت لبطله مهنة طبيب شرعي. رجل مهمته تشريح هذا المسكن الملوَّث، للروح الأثيرية التي لا يستطيع البحث فيها عن دلائل الجريمة وأسباب الموت. أرسلتُ نسخاً إلى أصدقائي من “الخراب، في عامهم الثالث” لأن المؤلف غير معروف. أنا كنت أرى في نزاع إيرلندا الشمالية رعباً قد يمتدّ إلى لبنان. اتخذت يومها موقفاً ندمت عليه، لأنه كان في اللاوعي رومانسياً غير موضوعي وجماهيرياً.

بعد ربع قرن من النزاع قُتل في إيرلندا الشمالية أقل من خمسة آلاف شخص. هنا في 15 عاماً قتل نحو 200 ألف إنسان، بينهم طفلتان قضتا بين يدي أمهما وهي تحاول الهرب بهما إلى الباخرة. وبينهم إدوار صعب الذي قتله قناص وهو ذاهب إلى عمله كرئيس تحرير لأهم صحيفة بالفرنسية في لبنان، إضافة إلى كونه مراسل “الموند”. تخيَّل أي نوع من الكائنات، هذا الذي يكمُن بالموت لرجل لا يعرفه.

كان ذلك عدد القتلى في إيرلندا الشمالية لأن “الجيش الجمهوري الإيرلندي” كان كلما وضع متفجرة، أرسل إنذاراً مسبقاً لإخلاء المكان. هذا لا يعني أنه كان أخلاقياً. لكنه كان مختلفاً عن قنّاص إدوار صعب، أو قاتل محمد شطح، أو انتحاري حارة حريك، وسائر القنّاصين والقتَلَة والانتحاريين ومحاميهم التلفزيونيين.

الطبيب الشرعي في رواية “الخراب”، إنسان، له عائلة يعود إليها، زوجة يحبها، ويحيا معها كما يحيا سائر البشر من ضحايا أو قَتَلَة. تعلّمت شعوب أوروبا من حروبها ومن موتها. والأميركيون الذين كانوا يغلّون “العبيد” في الدسوت عند العقاب، صاروا ينتخبونهم إلى البيت الأبيض. منذ مجاعة 1914 لم نسمع عن عربي مات جوعاً إلا في مخيم اليرموك قبل أيام. صورة الفلسطيني يموت جوعاً مسلوب اللحم والعضل، في بلد عربي. هل هذا ما كان يعنيه الأخضر الإبرهيمي عندما كان يحذِّر من الصوملة في سوريا؟

لماذا تضرب التجارب والمحن ضعفاء البشر؟ طُرح السؤال قبل ظهور الأديان السماوية، عندما كانت هناك “عناية” يتقاسمها “عدد” من الآلهة. لكل مسألة “إلهُها”. من الحرب إلى الخصب ومن الجمال إلى الخمر. لكن أحداً لم يتوصل إلى جواب. اكتفى “سينيكا” بأن عرض علينا ما نعرف: الأشياء لا تختلط. ألوف الأنهر العذبة لا تحلّي ملوحة البحر. ولا ملايين أمتار المطر.

ولكن هناك الحل المُرسل إلينا مع هذه المشكلة: أن يتعايش البحر مع الأنهر. لا نستطيع أن نُخلي هذه الدنيا لا من الأعراق الأخرى ولا من الألوان الأخرى ولا من المعتقدات الأخرى. المجانين وحدهم حاولوا تطهير الأرض من الآخر. البيوريتانيون في رواية “الخراب”، أو سلوبودان ميلوسيفيتش، زئيف جابوتنسكي. الهنود الذين سخَّرهم البريطانيون في قيادة عربات الأفيال يحتلّون اليوم المراتب الخمس الأولى بين أغنياء لندن. سوف يطول الصراع لكنه لن يدوم بين الذين يصرّون على “تعذيب” البحر والذين يدركون أن المحيط غير الساقية. المشكلة هي الضحايا التي تسقط في الطريق إلى الحقيقة. هي في المخدرات التي تُزرع في العقول أو في الأجساد، والأولى أفظع. مثل الطبيب الشرعي في رواية “الخراب”.

طالب أهالي مفجّر حارة حريك بالبحث عن آثار المخدرات في أشلاء ابنهم. تأخّروا قليلاً، مثل كثيرين من الأهالي في جميع لبنان. يجب تشريح الخطاب السياسي – لا الدم المسفوح طرباً ومجاناً، ما بين مُنتحر يَنحر الآخرين معه، وقاتِل يَنحر الآخرين مع ضحيته. “الجيش الجمهوري الإيرلندي” كان يحذِّر الضحايا المحتملة قبل التفجير. لا يقلّل ذلك الجرم ولا يجعله عملاً نبيلاً، لكنه يقلّل جسامة الفظاعة، ويوحي بأن القاتل لم يفقد بقايا الحدود الدنيا من بقايا حدود هذه الدنيا.

اكتشفنا بعد ظهور ماجد الماجد وموته، أن في لبنان 80 طبيباً شرعياً. يا لها من مهنة تلك التي اختارها جون بريغ. ليس بمعنى أنها قاسية، بل بمعنى أنها أكثر تعقيداً من الحياة والموت: أن يبحث طبيب واحد عن الأسباب في جسد القاتل والقتلى معاً، هو، مسؤوليته البحث في الأشلاء لا في الروح. لا علاقة له بالتحريض. فالتحريض الذي هو مساوٍ للتنفيذ، تُرك لرجال مثل دوستويفسكي في “الأخوة كارامازوف”، حيث يعبّئ الشقيق الخبيث شقيقه الغبي لقتل الأب المتهتّك. يتساوى المحرِّض والمنفِّذ، بل يُعتبر المحرِّض أكثر جُرماً.

أفاق لبنان فإذا به أمام جثة مختلفة تماماً عن الجثث المتبادلة كحمام زاجل في حمّام الدم المتسلسل والمتنقّل. بلد لا يمكن أن يفهم لماذا يُقتل رجل مثل محمد شطح، ولا تحت أي عنوان، ولا بأي شرح. وبلد لا يستطيع أن يعي أن ظهور ماجد الماجد، بدأ يوم سلّم أمره وسيادته وحقوقه كدولة، إلى “اتفاق القاهرة”. لم يبقَ من سيادة سوى حق الطب الشرعي في تحديد أسباب الوفاة. حتى الموت يصبح عبئاً في البلدان المنزوعة الإرادة: لقد سئم المدوِّنون.

*الحياة
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث