تجوع ولا ترسم بثدييها!!

تجوع ولا ترسم بثدييها!!
المصدر: خيري منصور

لم أتردد في اختيار هذا العنوان الذي يستبدل الأكل بالرسم، فالفنانة مارسي هوك قررت ان ترسم بثدييها بدلاً من يديها ليس لأنهما مبتورتان كما فعلت كليا احدى بطلات رباعية الاسكندرية للورنس داريل، بل لان اللوحات التي تعرضها للبيع هي مجرد بصمات لصدرها بمختلف الالوان، في البداية أحسست بالتقزز من هذه التجارة التي لا صلة لها بالفن، لكن ما ان عرفت السبب حتى تبدد العجب، فالفنانة مارسي هوك تتبرع بايراداتها الى صندوق سوزان كومن الخيري المخصص لابحاث وعلاج سرطان الثدي، فهل تبرر هذه الغاية النبيلة الوسيلة أم ان هناك خيارات عديدة أمام هذه الفنانة كي تقدم المعونة للحد من انتشار هذا المرض بين بنات جنسها.

اعترف بأن هذا الموقف لا يخلو من اشكالية والحكم السريع عليه قد يكون متعسفاً الى حد ما، لكن خطورة الموقف لا تنتهي عند الرسم بالصدر، فقد تزعم امرأة اخرى انها تمارس البغاء كي تتبرع بما تحصل عليه من مال للفقراء أو المرضى، فالفضيلة لا تتحقق بالرذيلة، وهذا الخلط بين الوسائل والغايات يحتاج الى فض اشتباك أخلاقي.. خصوصاً وان سعر اللوحة الواحدة التي ترسمها بصدرها لا يتجاوز ثلاثمائة جنيه استرليني، بينما هناك لوحات لفنانين معروفين يصل بعضها الى مئات الالوف من الدولارات، بحيث تكفي لوحة واحدة لاراحة هذه الفنانة وغسل صدرها من الاصباغ لعدة أعوام.

لقد عرفنا في تاريخنا العربي نمطاً من الصعاليك الذين كانوا يسرقون من الاغنياء لاطعام الفقراء، ومنهم عروة بن الورد.

وفي الحكايات الشعبية المصرية هناك حكاية تتوارثها الأجيال وقدمت في الدراما التلفزيونية والسينما هي حكاية أدهم الشرقاوي الذي كان يمارس هذا الدور، بحيث يسطو على بيوت الموسرين كي يعطي الفقراء حصتهم من المال.

لكن السرقة لا تعالج بالسرقة ايضا، هذا اذا اعتبرنا ان اموال الاثرياء مسروقة من دم الفقراء، واذا كان سرطان الثدي يهدد ملايين النساء في العالم وتتطلب الحرب عليه أموالاً وأبحاثاً، فثمة مصادر تمويل غير الرسم بالصدر خصوصاً حين يكون ثمن اللوحة المرسومة بالثديين هو ثمن الاثارة، لأن تلك اللوحات ليست من الفن في شيء وهي مجرد اصباغ ترسم أشكالاً وخطوطاً عشوائية.

ان عصرنا هو عصر تعايش الاضداد والمتناقضات، ويكفي ان نتأمل علبة سجائر كي نقرأ أحد وجهيها وعوداً بمتعة التدخين وعلى الوجه الآخر تحذيراً من أمراض القلب والشرايين.

ما من عصر تعايشت فيها النقائض على هذا النحو، لهذا تبدو حكاية الفنانة التي ترسم بصدرها وتتبرع بجزء مما تحصل عليه من ثمن اللوحات لابحاث سرطان الثدي تجسيداً لهذا التعايش القسري بين النقائض!

ان أخطر ما يهدد به هذا التعايش هو حذف الفارق بين الاسود والابيض، وبين الفن والدعارة، وبين تجارة السلاح والاعضاء والتبشير بالسلام!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث