أستاذ الإرهاب أم ضحيّته؟

أستاذ الإرهاب أم ضحيّته؟

خيري منصور

أفرد الكاتب اليهودي “أفي شلايم”، صاحب الكتاب الشهير عن الجدار الحديدي، فصلاً من كتابه الجديد عن الصراع العربي – الصهيوني للراحل د .إدوارد سعيد، وقال عنه بالحرف الواحد: إنه أبلغ مَن تحدث عن الشعب الفلسطيني في العالم، لكن موقف سعيد السياسي والوطني والأخلاقي كلّفه الكثير، منذ تصدّى برنارد لويس لأطروحته عن الاستشراق التي افتضحت صورة العرب والمسلمين في المخيلة الأورو-أمريكية، وبلغ بأحد الكتّاب اليمينيين أن وصف إدوارد سعيد في صحيفة “الديلي تلغراف” بأنه أستاذ الإرهاب .

ورغم أن “أفي شلايم” يقف في خندق مضاد لجنرالات الاحتلال، وفي مقدمتهم أرييل شارون، إلا أن ما كتبه عن سعيد يذكّرنا بعبارة شهيرة لشارون قبل سقوطه في الغيبوبة والموت السريري عن الراحل محمود درويش، فقد قال إنه يحسد الفلسطينيين على شاعر بقامته .

وما أُعد للشهيد غسان كنفاني من ديناميت كان يكفي لتفجير شاحنة معبأة بالجنود، لكن ضحية ذلك الاغتيال كان شاباً نحيلاً يعاني مرض السكر، ويتولى بنفسه حقن جسده بالأنسولين، وحين تمزق جسده كانت ابنة شقيقته لميس قد تحولت هي الأخرى إلى أشلاء .

ما قاله “أفي شلايم” عن إداورد المفكر والأكاديمي وعازف البيانو يدحض من داخل البيت اليهودي كل تلك المزاعم العنصرية التي تصف مَن يخرج عن بيت الطاعة الصهيوني باللاسامية .

وقد سمعت من الشهيد غسان قُبيل استشهاده بأشهر فقط، أن المثقف الفلسطيني محروم من تجريب الأشكال الفنية ومن الفانتازيا، لأنه طرف في صراع، لهذا طرق غسان وغيره أيضاً أبواباً سرعان ما عادوا عنها إلى خنادقهم، لأنهم لا يملكون من فائض الرفاهية ما يتيح لهم العبث باللغة أو تحويل الكتابة إلى تسلية راقية، كما يقول الشاعر الإنجليزي إليوت .

والمفارقة هي أن إداورد سعيد مُنعت كتبه ذات يوم من التداول، حتى في أوساط فلسطينية، خصوصاً بعد صدور كتابه في نقد اتفاقية أوسلو .

وليس معنى ذلك أن نتذكر مقولات مأثورة من طراز مغنية الحي لا تُطرب، أو لا كرامة لِنَبيٍّ في وطنه، فإدوارد سعيد كان ولا يزال في قبره قادراً على اختراق هذه المقولات بوصفه مثقفاً عابراً للأجيال والأزمنة أيضاً .

يولد المثقف العربي، والفلسطيني بشكل أخص، مثقلاً بحمولة تاريخية لا سبيل إلى الفرار منها، لهذا لا يسلم حتى جسده من الاغتيال، وطارت أصابع غسان إلى سطح منزل مجاور للانفجار الذي استهدفه، لأنها كتبت وشهدت وتشاهدت رغم أنها لم تلامس الزناد .

إن أرقى وسام يحصل عليه مثقف هو أن يحسد أعداؤه شعبه عليه، كما فعل شارون مع درويش، لكن العنصرية والعمى الأيديولوجي وحدهما دفعا كاتباً في “الديلي تلغراف” لأن يصف أستاذ الأدب المقارن، وأبرز أكاديمي في جامعات أمريكا بأنه أستاذ الإرهاب .

(الخليج الإماراتية)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث