انتحار أمريكي بالإنابة!

انتحار أمريكي بالإنابة!

خيري منصور

ففي مقالة نشرت في أيديعوت أحرونوت لروف فايسغلاس، ثمة إعلان صريح عن فشل إسرائيل في الضغط على الولايات المتحدة للحيلولة دون أي تفاهم مع طهران، ورغم كل المحاولات المبذولة على هذا الصعيد من خلال اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة إلا أن ما جرى بين واشنطن وطهران كان بمثابة الممحاة التي اعادت الورقة شبه بيضاء للبدء من أول السطر، وعدد المرات التي رأى فيها اللوبي اليهودي أمريكا تجازف به محدود، وإن كنا نتذكر ما حدث أثناء العدوان الثلاثي على مصر وتصريحات دالاس الشهيرة من المستشفى الذي كان يعالج به، ومن الآراء الشائعة في الوطن العربي ما يقال عن سيطرة اليهود في أمريكا على القرار السياسي خصوصاً من خلال الكونغرس، وأذكر أن د. صادق جلال العظم أصدر كتيباً ناقش فيه هذا الرأي، وتوصل إلى نتائج مغايرة، فأمريكا لا تخضع أجندتها واستراتيجيتها لتل أبيب رغم كل ما يصدر عن رؤسائها لمجرد وصولهم البيت الأبيض من تصريحات حول التحالف المقدس بين واشنطن وتل أبيب، واعتبار إسرائيل الحليف المعصوم الذي لا يمس، لأن أمنه من أمن أمريكا القومي.

إن مثل هذا الارتهان لإسرائيل لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، فثمة أصوات في أمريكا بدأت تهمس بأن إسرائيل تحولت إلى عبء ذي ثلاثة أبعاد اقتصادي وسياسي وأخلاقي، وحين يرد في مقالة كهذه أن أمريكا بهذا التقارب مع طهران تمارس إنتحاراً سياسياً فإن تفسير ذلك لا بد أن يتجاوز السياسة والاقتصاد معاً إلى السايكولوجيا.. لأن المقصود بانتحار أمريكا تخليها ولو جزئياً أو إجرائياً عن الحليف المقدس، ويسمى هذا القصور في علم النفس الإسقاط، فالمقصود بالانتحار هو إسرائيل وليس أمريكا لأن مجرد الخروج عن بيت الطاعة الصهيوني ولو لخطوة واحدة هو بمثابة التخلي عنها، وهي من الهشاشة رغم كل ما تدخره من الجعبة النووية بحيث تحولت إلى بيضة كما وصفها ذات يوم صحفي فرنسي، فالبيضة لا تحتمل أن تجرح لأنها إما أن تبقى سليمة ومتماسكة أو يسيل محتواها على الأرض تاركاً وراءه قشرة مهشمة، وإذا كانت أوروبا قد بدأت تتململ من وطأة الإبتزاز الهولوكوستي، فإن الولايات المتحدة ترى نفسها خارج هذا السياق كله، فهي لا تحمل ذاكرة آثمة ازاء اليهود كما هو الحال في المانيا مثلاً.

وإفراط إسرائيل في التعويل على أمريكا وكأنها خلقت لتكون مجرد درع لها هو ما يدفع كاتباً يهودياً إلى وصف التفاهم بين واشنطن وطهران رغم أنه مؤقت وخاضع للاختبار بأنه إنتحار سياسي!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث