نهر الحرير نحو نثر آخر

نهر الحرير نحو نثر آخر

انه النهر الذي لا يقطع على الاطلاق، بخلاف نهر الزمن الذي قال عنه هيراقليطيس بأنه يقطع لمرة واحدة فقط، وصورة النهر عموما قابلة للتأويل بلا حدود، ما دام شرطه الجريان والعصيان والتورط بالبحث عن مصب، والعجز الخلاّق عن العودة الى المنبع.

لأول مرة استوقفتني صورة النهر على النحو الاخر والبكر في مرثية مصارع الثيران ميخياس للشاعر لوركا، يصفه بأنه كان نهر اسود في قوته، ولنتخيّل كيف يمكن لعين صياد ماهر وماكر معا ان ترى عددا هائلا من الاسود الفتية وهي تتدفق في الذاكرة وتهدم الجدار الوهمي بين الذاكرة والخيال، رغم ان الخيال ليس لقيطا او اجتراحا اعجازيا، لأنه في نهاية المطاف ذاكرة معاد انتاجها لكن بدربة ومهارة وكأنه اعتذار عن الذي حدث بالفعل كي يحدث مرة اخرى، محررا من الشوائب والكثير من تجاربنا البشرية، يبدو كما لو انه يمارس من اجل استذكاره فقط، لأن الاستغراق فيه يحرمنا من الانتشاء به، وما قاله سارتر عن بودلير وهو انه حاول ان يرى نفسه وهو ينظر الى الاشياء يخصنا جميعا باقدار مُتفاوتة، وقصة فشل بودلير هي حكايتنا التي لم نعثر على سارترها بعد.

ما اعنيه بالنثر الاخر ليس ما سماه البعض النثر ما بعد الحداثوي، او النثر الراقص، مقابل نثر يسعى او نثر النافورة وهي تسيل على نفسها، انه نثر ليس مضادا للشعر بقدر ما هو ذهاب الى اقاصيه لكن من جهة اخرى، وهذا شجن ذاتي طالما راودتني فكرة البوح به رغم تأكدي من عدم جدوى السجال حوله، لأن الشعرية العربية على اختلاف تجلياتها تعاطت مع النثر باعتباره ابن العم الفقير او الضاحية النائية للغة ذات امبراطورية من المجازات والبلاغة الاشبه بطلاء ما ان يكشط حتى يظهر تحته الصدأ.

هذا الشجن تقاسمته مع الصديق الباقي محمود درويش في السنوات العشر الاخيرة من عمره الزمني لأن عمره الشعري لا يقاس بهذه التقاويم الداجنة، كان يقول بأنه عندما يكتب النثر يشعر بأنه يعدو حافيا وخفيفا اشبه بمهر بري، لهذا اجتذبه النثر مبكرا، وعاوده في سنوات النضج وكأنه بمثابة اعتذار، وما كنت اكرره في هذا السياق هو مسرحية موليير الشهيرة عن الذي اكتشف بأنه ناثر لمجرد انه يحكي، موحيا بأن من لا يكتب الشعر هو ناثر بالضرورة، لكن ما اراه هو خارج هذا المدار الكوميدي، فالروائي قد لا يكون ناثرا لأن ما اعنيه بالنثر ليس السرد الوظيفي او نثر الضرورة، لأن نثر الفيلسوف او الروائي كما في مثال البير كامو يتجلى في مقالاته ذات الحفيف الوجودي والكوني، ومنها ما كتبه عن جميلة وتيبازة في الجزائر، وما كتبه ايضا تحت عنوان اعراس.

هكذا اذن، للنثر اعراسه لكن التي تغيب عنها الطبول ولا تسطع فيها الاضاءة، وأسوأ ما لحق بالنثر في أدبنا هو النظر اليه باعتباره اللاشعر، او اليابسة مقابل الماء . لهذا فإن موروثنا من النثر الذي اعنيه قليل، والنماذج التي يتم الاستشهاد بها مكررة لندرتها، ولعل من ابرزها المواقف والمخاطبات للنفري والامتاع والمؤانسة للتوحيدي وتجليات ابن عربي.

* * * * * *

اذا كانت معوقات تطور الشعر العربي هي بواكيره كالمعلقات، فان للنثر ايضا معوقا مما حاصر الشعر والنثر معا في التنميط والنمذجة والقياس، ما دام النموذج الاكمل هو في الماضي، لهذا لم يكن تطور الشعرية العربية يسيرا بل مصحوبا بنوع من الزّجر النقدي، واقرب مثال الينا شعر التفعيلة في اواخر الاربعينات من القرن الماضي، فقد نُظر الى هذا التطور باعتباره مروقا ولم يسلم حتى من التخوين وكونه هجينا، وحكاية الشاعرين عبد الصبور وحجازي ومنعهما من المشاركة في مؤتمر ادبي في لبنان معروفة، فلم يكن لأسباب سياسية او اخلاقية بل لأنهما اقترفا نمطا من الشعر لا يملك شرعية الانتساب الى ديوان العرب، ولو شئنا تسمية المناخات المحتقنة التي احاطت بالشعر الحديث لقلنا انها نوع من الترهيب، وما الحملة المضادة والعنيفة ضد طه حسين في عشرينيات القرن الماضي وبعد صدور كتابه ‘ في الشعر الجاهلي الا نوعا من التعبير عن قداسة وثنية لذلك الشعر، رغم ان ما قاله طه حسين سبقه اليه مارغليوث، لكن هذا المستشرق المسيحي لا يُعامل كالعربي المسلم ولا يتعرض لتهمة الردة أو المروق.

* * * * * *

كتب ناثر عربي لعله الريحاني في تأملاته مقالة بعنوان مديح المطر، ورغم اهمية الاداء الجمالي لها الا ان عنوانها هو ما استوقفني لأنه اشبه بانقلاب على الممدوح في ديوان العرب سواء كان حاكما او قبيلة او حتى كسرى، فالممدوح هذه المرة عنصر من عناصر الطبيعة، ومديحه مجاني بقدر ما هو جمالي، لكأن هذا العنوان يدشن تحرير المديح من ارتهانه للسلطة او النفوذ او الكدية، وحين اوصى شاعر عربي سلالته قائلا : اوصيكم بالمسألة، لم يكن يعني السؤال الشكسبيري عن الكينونة والعدم، بل السؤال بمعنى التسول والكدية، واحتراف المديح وتحويله الى نمط انتاج ثقافي. والارجح فيما ارى ان صورة الشاعر في الذاكرة العربية امتازت بجاذبية وسحر لم يبلغهما النثر لأنه محروم من اسلاف من طراز المعلقات، وذلك لاقترانه بالاسطورة والالهام ووادي عبقر اضافة الى دور الشاعر في اعلاء وخفض من يشاء من الافراد والقبائل، فقد كان له دور حتى في ما نسميه اليوم الاحوال المدنية وظاهرة العنوسة، وثمة شاعر امتدح رجلا له سبع بنات اوشكن على العنوسة فتزوجن تباعا لأنه قال عن ذلك الأب ان يديه يدا صدق، فكفّ مبيدة، واخرى اذا ما ضنّ بالمال تنفق، والقوة البدنية والمال في ذلك العصر هما جناحا النفوذ والمكانة.

وتعلق العربي بصورة الشاعر ينصرف احيانا عن الشعر الى القرائن المصاحبة له، وهذا احد اسباب خشية الشاعر العربي حتى الان من فقدان تلك الصفة، اذا مارس انشطة كتابية اخرى منافسة للشعر، وقد سمعت ذات يوم من صديق شاعر انه لا يريد اضافة اية شوائب نثرية الى صفته، واثار دهشتي بذلك، لأنه يتصور بأن كل ما كتبه خارج النثر هو شعر بالضرورة.

* * * * * *

وبالعودة الى محمود درويش وانحيازه للنثر، اذكر ان الراحل حسين البرغوثي كان ذات مساء النموذج الذي اجتذبنا نثره المتفرد، فقد كان درويش يُفتن بالنثر اذا كان ابداعا موازيا، لأن النثر محرر من القواعد الشكلية التي تمنحه شرعية النوع، بعكس الشاعر الذي عاش قرونا اسير تعريف كلاسيكي هو الموزون المقفى، وان كان بعض البلغاء اضافوا اقنوما ثالثا لهذين الشرطين هو نيّة النّظم! ويخطىء من يتصور ان الشاعر حين يكتب نثرا انما يبحث عن مجال خارج القصيدة يتسع لفائضه الشعري، ولعلها ليست مصادفة ان يكون اهم شعراء الحداثة العرب ناثرين بامتياز ومنهم من نافس نثره شعره، وتفوق عليه، ان ما ظفرت به الشعرية العربية من نقد ورصد وسجال هو اضعاف نصيب النثرية، لأنها مصنّفة في خانة تكاد ان تكون التعريف السلبي للشعر، او نقيضه الاسود الذي يتحدد على تخومه البياض. ان نهر الحرير هذا ليس كطريق الحرير مجرد مسافة بين منبع ومصب، انه اشبه بما سماه لوركا نهرالاسود في مرثيته الآسرة لمصارع الثيران ميخياس، لكنه قد يكون نهرا من غزلان.

وثمة مصطلحات تفيض عن كل دلالاتها المتداولة معجميا، منها النثر الذي اتسع لرسالة خرقاء، ولاسباب بين اثنين، فهو القماشة التي تصلح راية ترفرف او كفنا او شيئا ما يستر العورة تماما كالشجرة التي تنتهي بعد الذبح الى ناي او كعب بندقية او قبضة منشار!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث