السفير: استنساخ حروب

السفير: استنساخ حروب

قالت “السفير” إنه إذا كان المقصود من «الغموض» الذي يحيط بحرب التحالف الدولي على «داعش» هو المخططات الإجرائية، أو الأهداف والمصالح والنتائج الميدانية والمسارات والنهايات، فهذا ظن صحيح. متابعة: وإذا كان مستقبل الشرق الأوسط وصورته كما مستقبل النظام العالمي في المدى المنظور، كذلك في دائرة الغموض لأنه يرتبط بالوقائع الجارية ومفاعيلها فهذا ظن صحيح أيضاً. لكن الشيء المقروء بوضوح أن شعوب المنطقة ودولها ستدفع وهي تدفع أثماناً هائلة لم يسبق لحرب في التاريخ أن أتت بمثلها، ليس بمعنى عدد الضحايا والخسائر المادية بل أولاً بدفع العرب والمسلمين إلى أدنى مرتبة من سلّم الحضارة بل من سلّم التوحش. أغرب ما يجري ليس فقط «استدعاء الاستعمار» بل استدعاء العقاب والأذى والذل والهوان والدمار والفقر والتخلّف.

ولفتت إلى أنالأخطر في كل ما يجري أن ليس هناك من طرف فاعل وفعلي يقدم للمنطقة خياراً آخر أو مساراً آخر، برغم كل بيانات التحفظ والاعتراض وادعاءات مقاومة المشروع، حين تكون على أرض المشروع نفسه وبأدواته ووسائله وبروحية الصراع على أرض المنطقة وبين شعوبها ومكوناتها وثقافاتها. لا أحد يستطيع الآن أن ينقل المواجهة إلى مواقع الغرب ولا على مصالحه ولا يفرض الانكفاء عليه خارج المنطقة. هذا التشخيص الموجع، يقابله كذلك عدم توازن أو تكافؤ أو حتى اقتراب من جعل كلفة هذه الحرب مشتركة ولو بحدود متفاوتة، ولا أن يحصد بعد هذه الحرب انجازات تفتح آفاقاً لمستقبل أفضل.
واعتبرت الصحيفة أنأسوأ أنواع التفكير السياسي حين تسيطر فكرة «المهابة» الشخصية أو القومية أو الطائفية، أو حين نشخصن مشكلات سياسية، أو حين نستخدم نظارة أيديولوجية أو فئوية لرؤية عالم تخترقه كل هذه الملايين من الأحداث والوقائع والعناصر، ونستخدم خطاباً «انتصارياً» من موقعة جزئية أو من مطلب صغير إزاء أحداث كونية يتقرر على نتائجها مصير ملايين البشر. لا نعرف كيف نبدأ بالمفاتيح والأوليات ونغرق شعوبنا بالمعارك الكبرى، حيث هي لا تملك أدوات العيش الكريم ولا حتى الحد الأدنى من شروط البقاء والأمن والاستقرار.
وتابعت “السفير”: منشغلون الآن في المواجهة مع «الإرهاب» و«داعش» قتلاً في مقابل قتل، ولا وقت لدينا لفحص البيئة العربية والإسلامية التي أنتجت كل هذه الكوارث والمآسي والثقافات. لم يصنع الغرب لنا هذا اللون من الثقافة السياسية الإسلامية ولو أنه يفيد منها، لجعلنا هدفاً «مشروعاً» أو لنقل ليجد تبريراً للسيطرة علينا. هذا التراكم التاريخي من المشكلات ومن الأزمات المعلّقة ومن الإمعان في حجر الشعوب عن الحرية والمشاركة هو الذي يضعنا الآن أمام مهمات لا تكفي المقاتلة لحلها. هناك بنية عربية إسلامية، ربما لم ننتبه لحجم ما خمّرت الفكر العفن وشحنت النفوس بهذا المستوى من الكراهية والرغبة في استسقاء الدماء وحشت العقول بهذا الحجم من الاغتراب عن قيم الإنسان والعصر.

وانتهت إلى القول بأنه لا يهمنا خطاب الرئيس الأميركي أوباما وهو أبسط من البسيط وأوضح من الواضح، أو هكذا يجب أن يكون في ضوء الخبرة التاريخية في العلاقات بين الشرق والغرب والعرب و الغرب. لكننا نُصدم لأننا لا نسمع خطاباً من بلادنا فيه معنى آخر للعلاقات وفيه سبل للمعالجة وفيه الحد الأدنى من مراجعة الذات، فكأننا نجد في ما يقول الأميركي حجة وحيدة يتيمة لنكمل ما بدأناه ولنمضي في الطريق المقفل نفسه. طريق مقفل لأننا على مدى السنوات الأربع من انفجار العالم العربي ومن فوضى التفكير في ما هو مسلمات وأوليات و«سيادة عليا» أو «عقل أرفع أو أعلى»، لم نجد زعيماً أو قائداً أو مسؤولاً مهجوساً بأي سؤال أو أي فحص للفكر والعمل، وقد بتنا نستسيغ لعبة المنازلة القائمة والملاكمة وصراع الديكة لأمر لم نعد نفهم مآله ونتائجه. ولا ندري إذا كان هناك من يربح أو يخسر في معركة تدار بدماء شعوبنا لمصلحة نظام دولي هو الذي سيقرر بأطرافه الأساسية كيف يعيد اقتسام ثرواتنا، وكذلك والأدهى إعادة تشكيل وعينا ووجودنا وكياناتنا ويحذف الكثير مما يعتبره زوائد أثرية أو تراثية أو ثقافات، لم تعد ذات قيمة في مجرى المصالح المادية الطاحنة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث