صحافة البيزنس وبيزنس الصحافة

صحافة البيزنس وبيزنس الصحافة
حسام عبدالقادر

كانت جرائد الأخبار والأهرام والجمهورية هي الجرائد الأساسية التي يطمح أي صحفي أن يلتحق بالعمل في أي منها، وكانت هناك بعض جرائد المعارضة أشهرها جريدة الوفد والأهالي والأحرار، وبعض المجلات الأسبوعية مثل مجلة أكتوبر – والتي أنتمي لها وصاحبة الفضل علي- والمصور وآخر ساعة، وفيما عدا ذلك كان هناك بعض الجرائد ذات التأثير المحدود، أو بعض المجلات العربية التي تأتي لنا من لبنان أو الخليج.

وكان إصدار أي فرد أو مجموعة لصحيفة هو ضرب من الخيال، حتى عندما ظهرت التراخيص الأجنبية والتي كانت وسيلة غير مباشرة لإصدار الصحف، لم يكن الحصول على مثل هذا الترخيص سهلا وقتها، إلا أن الأمور بدأت تتدرج إلى أن تم السماح بإصدار صحف من خلال شركات مساهمة مصرية برأس مال لا يقل عن مليون جنيه وأذكر أن أول صحيفة استفادت بهذا القانون هي صحيفة النبأ الأسبوعية والتي حصلت على هذا الترخيص لتكون أول صحيفة مصرية خاصة تتبع المجلس الأعلى للصحافة، ثم سمعنا عن مشروع إصدار صحيفة مصرية جديدة ستبدأ يومية مباشرة وكانت مفاجأة لنا أن تصدر صحيفة يومية جديدة تنافس الأخبار والأهرام والجمهورية واعتبرناه ضربا من الخيال وقتها، وكانت هذه الصحيفة هي “المصري اليوم” والتي استطاعت أن تنجح نجاحا باهرا، وتحدث انقلابا في عالم الصحافة المصرية ولا أبالغ إن قلت العربية، فقد استحدثت المصري اليوم تجربة مختلفة للصحافة المصرية، وصدرت في تحد واضح لصحف يومية عتيقة، وخرجت المصري اليوم إلى النور لتعلن عن ولادة جديدة في عالم الصحافة الخاصة، والتي تهتم بأمور تهم القارئ وليس المسؤول، فلم يكن معتاداً للقارئ المصري أن يفتح صحيفة يومية ولا يجد صورة رئيس الجمهورية في الصفحة الأولى، ولم يكن معتادا ألا يرى انجازات الوزراء والمحافظين، وحتى عندما تكون هناك بعض الأخبار التي تنتقد المسؤولين فهي تنشر على استحياء، كل هذا تغير فجأة من خلال صحيفة المصري اليوم، وتفاءلت خيرا وسعدت أيضاً بتكرار التجربة بإصدار جديد وهو جريدة الشروق وغيرها من الصحف التي أطلق عليها المستقلة وإن كان المسمى خطأ والأصح هو الصحف الخاصة، لأنه لا توجد صحف مستقلة وصحف غير مستقلة.

إلا أن دائما الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن، فقد عاب تلك النوعية من الصحف أنها تخضع للقطاع الخاص، والذي لا هم له سوى المكسب المادي، وهذا حقه بالمناسبة، ولكن يجب أن يتم هذا بدون المساس بحقوق العاملين، إلا أنه في ظل غيبة من الدولة التي تشهد أضعف حالاتها وفي ظل قوانين ورقية لا تنفذ، بدأ رأس المال يكشر عن أنيابه، وبدأ التهديد بفصل زملاء من جريدة المصري اليوم، وتم بالفعل غلق مكتب الجريدة بالإسكندرية، وبدأ الزملاء في تلقي مكالمات تخبرهم بأن الجريدة تريد أن تنهي تعاقدهم، مقابل تعويض مالي.

لا أعرف كيف يمكن لمؤسسة كبيرة مثل المصري اليوم أن تقدم على مثل هذه الخطوة الغريبة، ولا أعرف كيف سيكون رد فعل نقابة الصحفيين، وكل الجهات الدولية التي تدافع عن الصحفيين، فما يحدث هو سابقة تعد الأولى من نوعها، كما أرى أنه سيجعل من الصحافة الخاصة في مصر تجربة سيئة، وبعد أن تفاءلنا خيراً بهذه التجارب، خاصة أنها فتحت سوقا صحفيا هائلاً في مصر ووفرت كثير من فرص العمل لخريجى الإعلام، إلا أن لسان حال الإعلاميين حالياً سيطبق المثل المصري الأصيل الذي يقول “إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه” والذي يعنى أن العمل في مؤسسة حكومية ما زال هو الأضمن والأفضل مهما كانت مساوئه فهو أكثر استقرارا وراحة، من بيزنس الصحافة وصحافة البيزنس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث