المصالحة وحكاية ابريق الزيت الفلسطينية

المصالحة وحكاية ابريق الزيت الفلسطينية

تاج الدين عبد الحق

المصالحة الفلسطينية، كحكاية ابريق الزيت التي تبدأ ولا تنتهي. تغيب طويلا دون أن يعرف أحد لماذا غابت، وتعود فجأة دون أن يعرف أحد كيف عادت، وأين كانت.

حكاية المصالحة، بالنسبة للفلسطينيين، مثلها، مثل أمل العودة الذي تناقلته الأجيال الفلسطينية عاما بعد عام، وكان الأمل في كل مرة يبتعد أكثر، ليصبح بطول المدة، وبعد المسافة، أقرب للسراب الذي يتراءى ماءً لمن تنقطع به السبل في صحراء لا نهائية.

لكن المصالحة في القاموس السياسي الفلسطيني لها قراءة مختلفة. فهي مناورة بالنسبة للسلطة في مواجهة التعنت الإسرائيلي سواء كان تعنت في مسلسل التفاوض، أو تعنت فيما تمنحه لها من الصلاحيات والامتيازات.

أما بالنسبة لحماس، فهي تكتيك، هدفه الأول والأهم، هو الخروج من العزلة التي تعيشها قاعدة الحركة في غزة، خاصة بعد فشل مشروع الأخونة المصري، الذي ظنت حماس أن مفاعيله سيجعلها الكفة الراجحة في الميزان الفلسطيني.

اليوم تطل المصالحة الفلسطينية برأسها من جديد، من غير وسطاء، ولكن بنفس الأجندة. لتبدأ من حيث انتهت في القاهرة والدوحة، دون أن تقدم أطراف المصالحة أسبابا لتوقفها، ولا مبررات لاستئنافها. لكن القاصي والداني يعلم أن السلطة وهي تبادر لإرسال وفدها لقطاع غزة، إنما تفعل ذلك استباقا للفظ الأنفاس الأخيرة من الجولة الحالية للمفاوضات مع إسرائيل، والمنتظر أن تنتهي في نهاية ابريل / نيسان الجاري. وهي بمبادرتها الجديدة تعلم، بدون شك، أن لا معطيات جديدة تجعل حظوظ المصالحة هذه المرة أفضل من حظوظها السابقة، لكنها متحمسة لمد يدها لحماس لا لرغبتها في إنهاء الإنقسام، بل تغطية للفشل المنتظر في مفاوضة الإسرائيلي.

أما حماس التي كانت ترفض المصالحة مع السلطة بسبب المفاوضات التي تصفها بالعبثية، تجد هي الأخرى في جولة المصالحة الحالية، إفلاتا من مأزق سياسي يعكر علاقاتها بالجوار المصري، ومأزق اقتصادي، يجعلها في مواجهة احتمالات الانفجار الداخلي بعد أن جفت مصادر الدعم الخارجي للحركة.

وعلى خلاف النوايا الطيبة، التي يظهرها البعض، فإن فرص إنهاء الانقسام الفلسطيني، لاتبدو واعدة. فالسلطة حتى وهي تستعد لإعلان فشل مفاوضاتها مع إسرائيل، لا تريد أن تدفع لحماس ثمنا سياسيا عن هذا الفشل حتى لو كان مستحقا. فمثل هذا الثمن لا يؤثر فقط على حظوظ السلطة في الفوز في الانتخابات التشريعية، التي يعد الاتفاق على ترتيباتها عنصرا رئيسيا من عناصر المصالحة، بل يؤثر على علاقة السلطة بالأطراف الخارجية التي تتحفظ على سلوك حماس، وتنتقد أي دور لها في المعادلة السياسية الإقليمية. وحماس في ظل ظروفها الحالية وتشتت قياداتها، لا تملك القدرة على تقديم أي تنازلات حقيقية، كي تسهل المصالحة، لأنها تخشى أن تفاقم مثل هذه التنازلات من أزماتها الداخلية، وتؤثر على إمكانية احتفاظها بالسلطة في القطاع، في حال جرت الانتخابات التشريعية.

الفلطسينيون لا تعنيهم المصالحة وإنهاء الانقسام بين الضفة والقطاع، إلا بحدود المعاني الوطنية، فهم في العمق يجدون أن الخلافات بين الضفة وغزة، أو فتح وحماس هي خلافات على الامتيازات لا في السياسات، وأنه لا السلطة ولا حماس قادرة على تغيير معادلة المعاناة الفلسطينية. السلطة لم تستطع عبر خيار التفاوض أن تنهي معاناة أهل الضفة، وحماس عبر خيار المقاومة لم تنجح في معالجة مشكلات الحياة اليومية للغزيين والتي تتفاقم بوتيرة عالية على وقع الخيارات السياسية الخاطئة للحركة الحمساوية. الجولة الجديدة من جولات المصالحة الفلسطينية قد لا تكون أكثر من تقطيع وقت، وتهربا من استحقاقات قد لا يكون فيها نصيب، لا للسلطة ولا لحماس.

ميزة الجولة الجديدة أنها قائمة على المساعي الذاتية الفلسطينية بعد أن انكفأت محاولات الوساطة العربية، إما بسبب الاحباط من الوساطات السابقة، أو بسبب انشغال القوى الإقليمية بأولوياتها الخاصة وهمومها الضاغطة.

أيا كانت الفرص المتاحة لهذه الجولة، فإنها ستكون أمام ضغط الداخل الفلسطيني، الذي سيكون، ولأول مرة منذ زمن طويل، البوصلة التي توجه مسيرة المصالحة، بعد أن ظلت تلك المسيرة، مدة طويلة رهينة المصالح الخارجية والتوازنات الاقليمية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث