ضربة سوريا ونكسة العرب

ضربة سوريا ونكسة العرب

ضربة سوريا ونكسة العرب

تاج الدين عبد الحق

بين التهويل حد الافراط، والتهوين حد التفريط، تدور على هامش المشهد المأساوي الذي تعيشه سوريا، حرب مصطلحات ومسميات تعطي معان مضللة وتقود إلى نتائج مغلوطة .

والعملية العسكرية الامريكية التي تستعد الولايات المتحدة لتوجيهها إلى سوريا، هي مثل صارخ على تلك الحرب . إذ يطلق عليها إعلاميا،  ضربة عسكرية تهوينا من شأنها،  وامتصاصا  لما قد تثيره من اعتراضات،  أوتحفظات، رغم أننا نعلم أن هذه الضربة بما يجري لها من استعدادات وما يحضر لها من إمكانيات أبعد من أن تكون بحجم ما يوحيه المصطلح من معان، واكبر مما يحمله التعبير  من دلالات .

في تاريخنا  القديم والجديد، الكثير من المصطلحات التي تحمل في ثناياها تقليلا أو تضخيما لما نمر به من أحداث وما نواجهه من تحديات .  ولعل ابرز مصطلحات التهوين، مصطلح النكسة الذ ي استخدم توصيفا لهزيمة 67، علما بأن هذه النكسة كانت اشد مضاء،   وأقسى وقعا على النفس العربية،  من كل ما استقر في ذاكرتها  من مآس وإحباطات، وما ورثته من مرارات لازلنا نتجرع كأسها إلى الآن  .

واستخدمنا لتوصيف احتلال الكويت تعبير دخول القوات العراقية للكويت وكأن الجيش العراقي كان في نزهة أو رحلة سياحة،  وكان الاكثر موضوعية فينا يستخدم  تعبير   الاجتياح لتوصيف “حرب أخوية “، أنتهت بإحتلال حقيقي وتقسيم مذهبي  لجزء من وطننا العربي، و لا زالت تداعياتها مستمرة منذرة بعواقب خطيرة، تتزايد يوما بعد يوم.   

أما في مجال التهويل فحدث ولا حرج .استخدمنا تعبيرات مثل جريمة العصر،  ومآساة القرن،  لتوصيف حوادث وأحداث تكررت في تاريخنا العربي  مرة بعد مرة، في تجسييد مستمر لمقولة أن التاريخ يعيد نفسه .

استخدمنا على سبيل المثال،  تعبير المجزرة بوتيرة عالية للدرجة التي فقدت فيها المجازر الحقيقية معناها، وفقد المصطلح المعبر عنها دلالاته . رددنا بدون مناسبة تعبير الكارثة، للتحذير من وقوع احداث ومن مواقف رغم علمنا المسبق، بأننا  لانملك قدرة التاثير ولا سلطة التحذير .

المصطلحات عندنا استخدمت ايضا في غير موضعها، فاستخدمت الثورة لتوصيف الانقلاب، والحركة التصحيحية لتصفية الخصوم وسحلهم . ومنحت الشهادة لمن لا يستحقها من البلطجية والشبيحة، وحجبت عمن يستحقها من الابطال الذين دافعوا عن حرية أوطانهم ومواطنيهم . 

وكما في السياسية استخدم مصطلحات الدين بخلاف معانيها، فاصبح  الجهاد ستارا للقتل، وعنوانا للتطرف والمغالاة . واستخدم مصطلح  الأمر بالمعروف لتبرير قمع الحريات، ومصطلح النهي عن المنكر لاستباحة الحقوق  والتجاوز عليها . 

في المقابل فإن المصطلحات التي نحتناها لتهوين اخطائنا، وتهويل انجازاتنا، تستخدم عند الآخرين بشكل مختلف، فهي توظف لخدمة مشروع وهدف  وطني حتى لو كان ظالما،  أو لتغطية موقف  سياسي حتى لو كان باطلا .

اسرائيل ابرز من استخدم المصطلحات على هذا النحو،  في حروبها مع العرب . والامثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى . استخدمت على سبيل المثال تعبير سكان المناطق وحسب،  كتوصيف للاراضي المحتلة عام 67 للايحاء بأن هذه الاراضي ليست ملكا لأحد وأنها مشاع لمن يضع يده عليها . استخدمت عند احتلالها جنوب لبنان تعبير الشريط الامني لإضفاء طابع أخلاقي لإحتلالها للجنوب، أوللتقليل من حجم الاراضي التي كانت تحتلها .

 واستخدمت الجدار العازل كمصطلح يخفف من وطأة طابعه العنصري، والبؤر الاستيطانية للتخفيف من عمليات التهام ومصادرة الاراضي الفلسطينية، بإختصار كان المصطلح رديفا للعمل وجزءا منه ولم يكن تبريرا لقصور أو تغطية لإخفاق  .

في حروبنا مع الآخرين لم تكن الهزائم العسكرية هي التجسييد الوحيد لاحباطاتنا وإخفاقتنا، فقد عجزنا عن استخدام المصطلحات في مكانها الصحيح وتوقيتها السليم، وبتنا عند سماعنا مصطلحا من المصطلحات  المشار إليها،  كمن تخيفه جرة الحبل من فرط ما نال من لسع الأفاعي. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث