السيسي وعبد الناصر..والمراهقة الثقافية!

السيسي وعبد الناصر..والمراهقة الثقافية!

محمد بركة

كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات حين مسح ” محمود أمين العالم” قطرة عرق تسللت إلى جفنيه من وراء عدسة النظارة وهو يتناول كوبا صغيرا من الزبادي وسط قيظ القاهرة المعتاد في أغسطس . حكى الرجل لي بشجن عن عبد الناصر الذي دخل في عصره السجن بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي ثم كشف عن ظهره ليريني آثار التعذيب التي لم يمحها مرور العمر، ومع ذلك فحين عرف قيمة ناصر أصبح يحرص بشدة على قراءة الفاتحة ” للزعيم الخالد ” في ضريحه كلما حلت ذكرى رحليه من كل عام .

أمين العالم الذي كان أيقونة اليسار العربي من المحيط إلى الخليج كان قادرا على إعادة النظر في كثير من المسلمات أبرزها حتمية معاداة المثقف العربي لكل زعامة وطنية تحظى بكاريزما لمجرد التفاف الجماهير حولها ! رحل هذا المثقف الكبير وبقيت سلالة تتسكع في استوديوهات التلفزيون وأعمدة الصحف وهي تكيل سهامها الصدئة على تراث عبد الناصر وتتربص – بالمرة – بزعامة جديدة تتخلق من رحم الأزمة المصرية ممثلة في الفريق عبد الفتاح السيسي .

باستعلاء فج على حركة الجموع ومخاصمة طفولية لوجدان الناس، يقذفه هؤلاء بتهم الديكتاتورية ويرمونه بمحاولة إحياء مشروع ” ميت جدا ” على حد تعبير احدهم، أي المشروع الناصري .

المضحك أن السيسي نفسه لم يعلن ترشحه للرئاسة بعد ولم يتحدث عن ناصر من قريب أو من بعيد ، وبينما كان ” الزعيم الخالد في كل قلب ” يناوئ الأمريكان ، يتعامل السيسي بأقصى درجات الواقعية مع البنتاجون .

إنها المراهقة الفكرية يا عزيزي!

هؤلاء حفنة من المثقفين والكتاب أدمنوا أن يخالفوا على أمل أن ” يُعرفوا ” كما تقول الحكمة الشعبية . إنهم يصرخون من الفاشية الدينية حين تهدد حريتهم في احتساء الكحول في كافيهات وسط البلد ببيروت والقاهرة ودبي، وحين يتدخل الجيش مستجيبا لرغبة شعبية يولولون مرة أخرى محذرين من شبح فاشية عسكرية . مراهقة مثقفينا تجعلهم يسخرون من كلمات مثل الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والشعب قائدا ومعلما والتحرر من هيمنة الغرب ونظرية المؤامرة، ولا يرون فيها إلا بضاعة قديمة كسدت أسواقها في زمن العولمة وما بعد الحداثة .

افهم أن يناضلوا ضد عبادة الفرد وتقديس الزعامات …

أفهم أن يقفوا بالمرصاد لرئيس حاد عن جادة الصواب..

أن يتحفظوا على سجون ناصر لكن يحترموا دموع الملايين التي سُفحت في جنازته.

لكن الرفض لمجرد الرفض ..

الصراخ بحثا عن دور بطولة في مسرحية سخيفة..

هذا حقا ما يدعو إلى الرثاء

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث