الفض السياسي والفض العسكري

الفض السياسي والفض العسكري

الفض السياسي والفض العسكري

 

تاج الدين عبد الحق

 

 لم يعد التلكؤ أوالتردد في فض اعتصامات الاخوان، في ميداني رابعة العدوية والنهضة، تعبيراً عن ضعف الإرادة السياسية، وغياب القدرة على اتخاذ القرار، فهو يتحول يوماً بعد يوم إلى تكتيك مقصود، أو إختيار مفروض، تحسب فيه الأطراف المختلفة الكلفة السياسية، قبل الكلفة المادية. 

 

 فالإخوان ينجحون إلى الآن في  تجسييد دور الضحية، لما يعتبرونه مؤامرة، عنوانها الأبرز الإعتداء على الديمقراطية، ودليلها الأكبر تجاوز صناديق الانتخاب.

 

وهم يفرضون حضورهم، لا في المشهد الاعلامي فحسب، بل في كل مسعى يستهدف الخروج من دوامة الازمة، أوفي كل محاولة  لوضع صيغة لحلها.

 

 لكن نجاح الإخوان لا يعني أنهم يقتربون من هدف استعادة السلطة، فهم يعلمون أن ذلك بعيد المنال، واستمرارهم بالاعتصام مهما طال وإصرارهم عليه مهما توسع، يهدف في أحسن الأحوال، إلى رفع الكلفة السياسية لحسم إعتصامهم بالقوة إن حصل، أو إلى رفع الثمن السياسي لأي إتفاق معهم إن تحقق.

 

وهم باستقوائهم بالخارج، الغربي البعيد أوالإقليمي القريب، لايعملون على تغيير المعادلة التي افرزتها إنتفاضة الثلاثين من يونيو، بل تحصيين وجودهم في الميادين بمظلة إقليمية ودولية تفرمل أي محاولة من الجيش لتصفيه هذا الوجود بالقوة.

 

في الجانب الآخر، فإن الجيش الذي أعلن أكثر من مرة نيته فض الاعتصام بالقوة، وأعطى مهلاً زمنية لذلك، يعمل عملياً على جبهتين ليس بينها استعداد حقيقي لاستخدام القوة مع المعتصمين:

 

الأولى: إستنفاذ امكانيات الوساطة الاقليمية والدولية، من خلال إبداء قدر هائل من الصبر والسماحة مع هذه الجهود في تكتيك يستهدف فض الاحتشاد السياسي الخارجي الداعم للاخوان، وإيصاله إلى طريق مسدود، تمهيداً لفض الاعتصام الداخلي في الميادين، إما عبر تآكل طبيعي ناتج عن استرخاء الوساطات السياسية أو بطئها، وإما باجراءات اقل كلفة، وأكثر فعالية، كقطع التيار الكهربائي وتعطيل خطوط الامداد.

 

الثانية: إعطاء الجيش فرصة التركيز على  تصفية الجيوب الارهابية في سيناء، لا بسبب خطورة ما يجري فيها على الأمن القومي المصري فحسب، بل لإن استخدام القوة مع المعتصمين الآن،  قد يعطي للاخوان فرصة، لخلط اوراق الاعتصام، بأوراق عملية سيناء، بحيث يبدو الأمر كما لو أن القوة تستخدم مع كافة التيارات الإسلامية، وهو ما قد يفتت التأييد الشعبي الذي تحظى به هذه العملية  من جهة ،  ويكسب الاخوان فرصة استقطاب بعض  التيارات الاسلامية  التي وقفت على الحياد في 30 يونيو أو تلك التي ناهضت موقف الاخوان وانتقدت ممارساتهم السياسية  من جهة ثانية .

 

وبالرغم من أن هذه المراوحة السياسية  بين حسم لا يقدم عليه الجيش، وسلطة لا يستعيدها الاخوان، تبدو في الظاهر بطيئة، أوغير فعالة، إلا إنها في العمق تؤتي ثمارها، وتحقق بعض النتائج. فالجيش الذي لوح مبكراً باستخدام القوة لفض الإعتصام، وجد أن الوساطات على عيوبها وكثرتها، تسحب من رصيد  مطالب الاخوان، التي بات سقفها أدنى كثيراً مما كانت عليه في بداية الأزمة. فهم يتحدثون اليوم عن خروج آمن أو مشرف، وضمانات للمستقبل، وتحصين من الملاحقات القانونية.

 

وهذا الخطاب وهذه المطالب وما آلت إليه، لا تبدو كافية لتبرير الاعتصام، ولا للمخاطرة بتحمل  كلفة استمراره، فبات الرهان على تآكل اعتصام الميادين تآكلاً ذاتياً، هو رهان حقيقي، وبديل  فعلي عن القوة التي أصبح التلويح بها جزءاً من العمل السياسي، لا عنصر تهديد واقعي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث