عندما تتحول دماء الشعوب إلى سطر في “صفقة”

عندما تتحول دماء الشعوب إلى سطر في “صفقة”

أدهم جابر

مع توقيع “الاتفاق النووي” بين ايران و”٥+١”، ملفات كثيرة سيعاد ترتيبها في المنطقة، ومخطئ من يعتقد أن تأثيرات هذا الاتفاق لن تطال في تأثيرها حلفاء إيران وخصومها على حد سواء. والثابت تاريخيا أن إيران، منذ انتصار الثورة الاسلامية، لم تتخل عن حلفائها، لذلك كان من الطبيعي أن تعمد إلى تحقيق بعض المكاسب من خلال “الاتفاق”، تتضمن الحفاظ على حلفائها في المنطقة، وتدعيم مكانتهم، وتحديدا حزب الله في لبنان، ونظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا.

استنادا، يمكن القول أن أولى بوادر “الاتفاق النووي” الايراني، كانت تغيرات في بعض السياسات الخارجية لبعض دول المنطقة، إذ لجأ بعضها إلى التشدد تجاه طهران ودمشق، في حين اختارت دولا أخرى سياسات لينة الهدف منها الحفاظ على مكانة أو استعادة دور ما لها في المنطقة، كدولة قطر التي اختارت الانفتاح تجاه حزب الله اللبناني وعبره الانفتاح على النظام السوري، وقد وردت معلومات صحفية مختلفة مفادها أن موفدا قطريا زار سراً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وبحث معه علاقات قطر بالحزب، وتم،خلال اللقاء، الطلب إلى نصرالله بالتوسط لدى الأسد لإعادة العلاقات مع دمشق. وبالفعل حصل اتصال قطري بالسوريين إلا أن المسؤولين السوريين أكدوا لصاحب الإتصال، بان الوقت لم يحن بعد لقيام أي مسؤول قطري بزيارة دمشق.

عند هذا الحد لن تقف الأمور وبمجرد حدوث الاتصال فان ذلك يعني أن السوريين سيصلوا في القريب العاجل أم الآجل، إلى التعاطي مع الدوحة بطريقة تجعل من كل ماضي قطر في تعاطيها مع الأزمة السورية، صفحة تم طيها إلى غير رجعة، خصوصا أن القطريين اليوم يعتمدون سياسة “كبش المحرقة”، وذلك بأنهم باتوا يحملون رئيس وزرائهم السابق حمد بن جاسم المسؤولية عن كل أخطائهم في السياسة الخارجية على الأخص فيما يتعلق بالأزمة السورية وعلاقتهم بحزب الله. والواقع أن لجوءهم إلى هذا الأسلوب يشير بوضوح إلى رغبة لديهم بالعودة إلى أيام مضت عندما كان لقطر دورا كبيرا وايجابيا في المنطقة وذلك كان في زمن علاقاتها المتينة مع دمشق وحزب الله اللذين يعتبران بدورهما، أن السياسة الخارجية لقطر بنيت على اكتافهما وهما من آمنا لها مكانة فاعلة وكبيرة على الساحة السياسية العالمية عندما أسندا اليها أدوارا كثيرة.

وكلنا يذكر كيف كانت علاقة دمشق وحزب الله بقطر والكل يذكر أيضا “اتفاق الدوحة” الذي وقعه اللبنانيون في قطر وكيف كانت نتيجته إيجابية على الوضع في لبنان.

بواقع الحال أن التبدل بالسياسة القطرية الجاري الان قد لا يكون مستغربا في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة، وإذا اعتبرنا “الاتفاق النووي” الايراني أساس هذا التبدل إلا أن عوامل أخرى قد تكون لعبت دورا في هذا التحول، منها رغبة “ذاتية” للدوحة باستعادة أمجاد دبلوماسيتها الغابرة ودورها الإقليمي في المنطقة كما أشرنا أعلاه، ومنها أيضاً ما هو متعلق بعودة الخلاف على خط الدوحة الرياض، ويبدو أن القاعدة لدى طباخو السياسة الخارجية في قطر حاليا تتمحور حول قاعدة “أن الاقتراب من الرياض يعني الابتعاد عن طهران وحلفائها والعكس صحيح أيضاً”، وهذه قاعدة قد تكون هشة لأن السؤال هو حول شكل السياسة الخارجية للدوحة إذا ما حدث تقارب إيراني كبير ومفاجئ.

في انتظار ذلك الوقت، فان ما يمكن استنتاجه اليوم هو أن الدوحة ستعمل بجهد لاستعادة دورها وستعيش على التمنيات بعدم حصول أي تقارب إيراني سعودي لكنها لن تجرؤ على العمل لمواجهة أي خطوة من شأنها أن تقود إلى التقارب المذكور. إضافة إلى ذلك فان أهم ما يمكن الحديث عنه اليوم هو أن وراء كل تسوية هناك دائماً رابح وخاسر، وفي الصفقة الإيرانية الغربية يمكن الحديث عن رابحين هم إيران وحلفائها النظام السوري وحزب الله، أما الخاسرون فليس الغرب وليس اسرائيل والمعارضة السورية التي تكافح اليوم للحفاظ على وجودها فقط، بل أن الخاسر الأكبر هو الشعب السوري الذي دفع دماء الآلاف من ابنائه الأبرياء، وأيضاً الخاسرون الشعب اللبناني الذي ضرب اقتصاده بسبب مقاطعة بعض الدول العربية للسياحة في لبنان وأيضا الخاسرون هم الذين دفعوا ثمن علاقات حزب الله بمحيطه العربي، أولئك الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية وخسروا أرزاقهم وأعمالهم في بعض الدول العربية ممن تم تحميلهم مسؤولية سياسات الحزب. مؤسف كيف أن معاناة وويلات الشعوب لا تساوي سطرا في صفقة دولية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث