“عزوبي” الصحافة

"عزوبي" الصحافة

“عزوبي”  الصحافة

تاج الدين عبد الحق

يغبط أهل المهنة، عثمان العمير، على عزوبيته، ويعتبرها بعضهم من اسرار نجاحه، ومن مكملات حريته، التي طالما كانت من ابرز مكونات تاريخه المهني، ومن عوامل وصوله إلى المكانه التي يحتلها في الاوساط الصحفية العربية.

عملت معه في الشرق الاوسط، حين كان أول رئيس تحرير سعودي لها، كما عملت معه في صحيفة ايلاف الالكترونية التي كانت أول تجربة من نوعها في العالم العربي.

بدا لي في أول لقاء معه، أن العمير شخصية متعبة، وفوضوية، يتحرك في جميع الاتجاهات باستمرار. تظن دائما انه مشغول عنك، ولا ينتبه لما تقول، ثم تفاجأ بأنه متابع حتى للتفاصيل. بعض من عرفه يقول عنه انه صحفي متهور، يتحمس بسرعة، ويتجاوب حد المغامرة.

في تجربتي الشخصية معه وجدته رئيسا مستنيرا، قادرا على تقدير العواقب، ومعرفة أبعاد كل موقف بدقة. يعتمد في ذلك على قدرة استشعار غير عادية، وعلى شبكة علاقات يعرف من خلالها حدود المسموح، ومساحة الممنوع، متجاوزا في ذلك حال التردد الذي يظهره الآخرون.

في عهده الورقي (إن جاز التعبير) الذي استمر قرابة عشر سنوات، كانت الشرق الاوسط مثالا لتعايش مدارس صحفية عديدة، فجمعت في صالتها وفي مكاتبها في الخارج تشكيلة واسعة من مختلف المشارب السياسية، والخلفيات المهنية.

كان عليه أن يتعامل مع صحفيين لهم تاريخهم المهني، وسمعتهم المسبقة، التي تجعل قيادتهم، والتعامل معهم مهمة بالغة الصعوبة، خاصة بالنسبة لمن كان شابا بالنسبة لهم.

إجتاز عثمان العمير خلال رئاسته للصحيفة مرحلة بالغة الحساسية،إنتقلت فيها الجغرافيا السياسية للمنطقة إلى حالة من السيولة الشديدة ، تبدلت فيها التحالفات والادوار والمواقع. خلال وجوده في الشرق الاوسط بنى علاقات مع قيادات وشخصيات عربية قل أن تتهيأ لصحفي عربي آخر.

كان يحب (اللمة ) التي يستضيفها في بيته، ويجمع فيها تشكيلة واسعة من الشخصيات والاسماء التي تتزايد باستمرار. وصفوا الصحيفة في عهده ب (خضراء الدمن) لأنه أضفى عليها مسحة من الليبرالية التي لم يكن يجروء أحد على الجهر بها في ذلك الزمان.

عندما استقال من الشرق الاوسط بمحض ارادته عينه الناشر مستشارا لكنه رفض المنصب، وأعلن في حفل تكريمه الوداعي، أنه لن ينضم لقائمة أولئك المستشارين الكثر الذين لا يستشارون، وفضل الإنصراف، رغم التمسك به، ليفاجيء الاوساط الصحفية بتجربة إيلاف.

كانت تجربته في إيلاف مثيرة لأكثر من سبب، ففيها طعم الريادة، وروح المغامرة. كثيرون من الذين عملوا معه في الصحافة الورقية اشفقوا عليه من التجربة، وتنبأوا بفشلها، لكنها صمدت وتطورت وحققت حضورا تحسدها عليه صحف عريقة .

تحمل مسؤلية التجربة وحيدا، مستعينا بسعة الأفق، والحس بالمستقبل، ورصيد العلاقات، ليصبح بعد سنوات قليلة قدوة للآخرين، ومثالا تعثر كثيرون في محاكاته .

تجربتي القصيرة في إيلاف لم تعزز علاقتي بالاستاذ عثمان العمير فحسب، بل فتحت عقلي على عالم لا نهائي، حدوده – وياللعجب – شاشة كمبيوتر، أو لوح اليكتروني، أو حتى هاتف نقال . اليوم اعيش تجربة ( إرم) مستلهما من تجربة الاستاذ تلك العزيمة التي لا تشيخ، ومستمدا من الاضافة المهنية التي أضافها لي خلال عملي معه، ما يعينني على القيام بعمل، ارجو أن يكون جديرا بالتقدير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث