الرافعة الإصلاحية للإعلام الإلكتروني الأردني

الرافعة الإصلاحية للإعلام الإلكتروني الأردني
شاكر الجوهري

“كل شيء يحمل في الداخل ضده”..، هذا ما يؤكده الديالكتيك نظرياً منذ كان “هيجلياً”، وبعد أن تطور “ماركسياً”..

وهذا ما تؤكده الحكومات الأردنية عملياً، من خلال الكيفية التي تعاملت بها على الدوام مع مختلف وسائل الإعلام الأردنية.. خاصة الرسمية منها.

النموذج الصارخ على ذلك احتجاجات الزملاء الصحفيين والإعلاميين العاملين في صحيفة “الرأي” شبه الرسمية.

يندر أن يكون تم تعيين أياً من الزملاء العاملين في “الرأي” من خارج أحد ثلاث قنوات:الحكومة، الديوان الملكي والأجهزة الأمنية.

إذاً الذين يتظاهرون ويعتصمون احتجاجاً على سياسات هذه الجهات الإغراقية للصحيفة بعاملين جدد على قاعدة الواسطة والتنفيع، هم أنفسهم سبق تعيينهم عبر ذات القنوات..!

السبب يلخصه المثل الشعبي المتوارث “إذا زاد الشيء عن حده إنقلب إلى ضده”..

هذا المثل يقدم صياغة جديدة لنظرية هيجل.. بل هي نظرية أقدم من الهيغلية التي طورها ماركس، لأن “الديالكتيك الشعبي العربي” سبق هيجغل بكثير..!

وقد بلغ تمرد العاملين في الصحيفة الرسمية حد إتخاذ قرار بالتوقف عن نشر الأخبار الرسمية للحكومة، التي تدير الصحيفة عملياً من خلال ممثلي مؤسسة الضمان الإجتماعي في مجلس الإدارة..

مصالح قدامى العاملين في الصحيفة، تعارضت مع صنفين آخرين من العاملين:

الصنف الأول: هو أيضاً من قدامى العاملين، ممن تجاوزوا سن التقاعد الوجوبي، وفقاً لتصنيفات مؤسسة الضمان الإجتماعي، التي يشرف عليها وزير العمل، بصفته رئيس مجلس إدارة المؤسسة.

الصنف الثاني: حديثو التعيين ممن لا حاجة للصحيفة بهم.

رواتب المتقاعدين وحدهم تبلغ نصف مليون دينار سنوياً، وهم نادراً ما يقدمون شيئاً للصحيفة.

أما العاملون “القادمون” الجدد خلال السنوات الأخيرة، فلا إحصائية مفرج عنها بعد تحدد حجم العبء الذي يمثلونه على موازنة الصحيفة.. وهو بالتأكيد يماثل عبء القدامى، أو يقل قليلاً أو يزيد قليلاً.

الحكومات المتعاقبة إذاً، وكذلك الديوان الملكي والأجهزة الأمنية التي لم تترك جهداً إلا بذلته خلال السنوات الماضية، وبدءاً من حكومة الدكتور معروف البخيث الأولى سنة 2005، من أجل محاربة الصحافة والمواقع الإلكترونية، تعمل سياسات التعيين التي تنتهجها في “الرأي” إلى تسريع إحلال الصحف والمواقع الإلكترونية محل الصحافة الورقية..!

وهذا معاكس تماماً لمصالح الحكومات.. بل وللنظام في كليته..

بل إن هذه الممارسات، وبعد أن تعاظمت تنكيلاً وتكبيلاً للحريات الإعلامية، حولت موقف المجتمع الدولي من مكتف بالتفرج، ومدافع عن كل الخروقات السابقة، إلى مدافع قوي ينتفض في وجهها..

هذا ما حدث تحديداً في مجلس حقوق الإنسان، لدى مراجعته الدورية لسجل الأردن في مجال حقوق الإنسان يوم 24 أكتوبر/ تشرين أول الماضي في جنيف.

وقد كان لافتاً، قلب الممثل الأمريكي ونائبه في المجلس، صفحة المدائح التي طال كيلها من قبل السفير الأمريكي في عمّان، لكل تجاوزات الحكومات الأردنية المتعاقبة في مجال حقوق الإنسان، وإطرائه على مخرجات تزوير الانتخابات، باعتبارها منجزات ديموقراطية مهمة على طريق الإصلاح..

الممثل الأمريكي ونائبه قلبا تلك الصفحة، وتقدما بكم كبير من التوصيات الهادفة إلى إلزام الحكومة الأردنية بالمعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، والتراجع عن التشريعات القانونية التي جارت على صحافة الإنترنت..

بل بلغ الأمر حد التلويح الصريح بأن النية تتجه نحو الربط بين الإلتزام الأردني بهذه المعايير، وبين الحصول على المنح والمساعدات، التي يزداد عطش الموازنة الأردنية لها..!

بصراحة كان في جنيف موقفاً صارماً من قبل أغلب الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، المنبثق عن منظمة الأمم المتحدة، تمثل في 173 توصية وجهت للأردن، ليعمل بموجبها، كي تنسجم ممارساته مع المعايير الدولية.

هذا الموقف الصارم تؤكد المعلومات المتسربة أنه وجد صدى سريعاً في عمّان، حيث وجه الملك عبد الله الثاني “حكومته الرشيدة” بإجراء تعديلات جديدة على قانون المطبوعات والنشر، الذي جرت العادة على أن يتم تعديله بمعدل مرة كل عشر سنوات.. قافزاً عدة خطوات إلى الوراء..

وتمت زيادة سرعة التعديلات العكسية خلال السنوات القليلة، وفي ذات الإتجاه التراجعي.. محققة قفزات أكبر إلى الوراء بمعدل مرة كل سنة.. حيث تمت هذه القفزات إلى الخلف في السنوات 2010 “من قرار لمحكمة التمييز باعتبار الموقع الإلكتروني مطبوعة”، 2011، 2012، وها هم الصحفيون ينتظرون تعديلاً آخر مرجح أن يتم قبل نهاية 2013..!

الواقع أن هذه القفزات لم تحقق دائماً الأهداف التي توختها الحكومات منها..

المثال الصارخ على ذلك هو تعديلات 2012، التي تمت في عهد حكومة الدكتور فايز الطراونة، وقررت تخيير الصحف والمواقع الإلكترونية بين الترخيص والتسجيل، أو الحجب..!

لقد كان الهدف من تلك التعديلات هو تقليص مئات المواقع الإلكترونية إلإخبارية إلى حدود العشرة مواقع، كما صرح بذلك راكان المجالي وزير الدولة لشؤون الإعلام والإتصال في عهد حكومة عون الخصاونة.

لكن الإحتجاجات الكبيرة والمتوالية، التي صدرت عن الإعلام الإلكتروني، بمؤازرة كثيرين من العاملين في مختلف الوسائل الإعلامية الأخرى، جعلت الحكومة مرغمة على عدم رفض أي طلب ترخيص مكتمل الشروط، كما أنها لم تتمكن من نزع لسان أي صحفي إلكتروني من حلقه، كما هدد الدكتور معروف البخيت في عهد حكومته الثانية، في حالة نشر أخبار غير موثقة عن حالات فساد، بدلاً من إحالة الأمر للتحقيق من قبل هيئة مكافحة الفساد..!

الآن يوجد في الأردن قرابة 110 مواقع إلكترونية مرخصة، و140 موقعاً إخبارياً، تم تسجيلها باعتبارها مواقع متخصصة لا تخضع لقانون المطبوعات والنشر، وتغض دائرة المطبوعات والنشر النظر عن ملاحقتها، كونها في حقيقة الأمر، وجميعها، تنشر أخباراً سياسية خارج إطار التخصص الذي سجلت بموجبه.

صحيح أن القانون لا يزال قائماً، لكن الصحيح أيضاً هو أن الإحتجاجات غيّرت من أهداف القانون.. من حجب المواقع الإلكترونية إلى الإكتفاء بمعرفة ناشريها.

تراجع الحكومات عن الأهداف الأصيلة للقانون، وتعاظم ضغوط المجتمع الدولي على السياسات الإعلامية للحكومات الأردنية، أصبح يمثل رافعة إصلاحية قوية، لا قبل للحكومات الأردنية بمواجهتها..!!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث