مفاوضات على وقع الكوارث

مفاوضات على وقع الكوارث

مفاوضات على وقع الكوارث

تاج الدين عبد الحق

 

ليست هذه  هي المرة الأولى،  التي تنجح فيها الإدارة الامريكية  بدغدغة  أحلام السلام، وإطلاق شحنة تفاؤل في عروق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الجافة.  والقائمة طويلة،  من كامب ديفيد الثانية،  إلى واي ريفر،  إلى شرم الشيخ وغيرها كثير. وكما في كل مرة فإن ما حققه جون كيري من اختراق في مساعيه المكثفة بين الفلسطينين والاسرائليين، يتم على  وقع الكوارث والاضطرابات التي تتوالد منذ عقود،  بإيقاع عربي  يقطع الانفاس.  ومع كل كارثة من تلك الكوارث، كان  التشدد الاسرائيلي يتزايد، والسقف الفلسطيني، والعربي  يتهاوى،  لتصبح مواقف اسرائيل السابقة التي كنا نتمنع في هضمها،  مطالب  الفلسطينين اللاحقة  التي نحاول إقناع اسرائيل بها. أما  الموقف العربي، فكان يتأرجح بين الضغط على الفلسطينين – بدعوى الواقعية- ، إن هم تشددوا ، وبين اتهامهم بالتفريط – رغبة بالمزايدة –  إن هم تنازلوا.

 

وبغض النظر عما قد تحمله الجولة المقبلة من المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية من مفاجاءات ، فإن المعطيات المتوفرة، تؤكد أنها لن تكون أفضل حالا من سابقاتها.  فالفلسطينيون يدخلون المفاوضات دون سند عربي. فالكل مشغول بهمومه الداخلية ومتاعبه الإقتصادية . حتى القوى الشعبية والحزبية العربية،  التي كانت تعلي صوتها في كل مناسبة تفاوضية تبدو هي الاخرى مشغولة بهمومها الذاتية بحيث لم يعد صدى صوتها يصل لأبعد من قواعدها،  وكوادرها.

 

 وحتى على الصعيد الداخلي الفلسطيني،  فإن الانقسام، الذي كان – رغم طابعه السلبي-،  يلعب دورا كابحا وعنصرا من عناصر المناورة أوالمزايدة ، لم يعد ضاغطا على المفاوض الفلسطيني  كما كان الحال  في المحاولات السابقة.   فقوى المعارضة الفلسطينية وبالخصوص حركة حماس، لم تعد تعيش نشوة الانقلاب الذي قادته في غزة وجعل منها ندا للسلطة الفلسطينية، يعطل حينا،  ويربك أحيانا. وهي ايضا فقدت قاعدة الممانعة التي بنتها في سوريا،  بل باتت قياداتها طريدة تبحث عن ملجأ، تتقي فيه من تسونامي التغيير الذي تشهده المنطقة العربية،  خاصة بعد سقوط الاخوان في مصر، الذي أربك الحسابات وقلب المعادلات، بحيث لم يعد بمقدور الحركة التفكير ابعد من حدود القطاع، وبشيءآخر،  غير شريان الانفاق الذي يبقي  لحماس شكل من أشكال السلطة.

 

 ولا تبدو السلطة الفلسطينة أفضل حالا، فالازمة الاقتصادية التي تعاني منها الضفة الغربية،  والازمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينة تبدو هي الاخرى عوامل ضاغطة على المفاوض الفلسطيني،  تمنعه من التمسك بالمواقف، وتقلل فرص صموده،  في وجه المفاوض الاسرائيلي الذي يملك كل معطيات التشدد.

 

قراءة المشهد التفاوضي المقبل بين الفلسطينين والاسرائيلين، يظهر  أن المفاوضات القادمة هي في  حقيقتها مفاوضات اسرائيلية اسرائيلية. فإسرائيل التي نجحت في جعل خلافاتها الحزبية، وبرامج حكومتها جزءا من أجندة أي مفاوضات،  تأتي للجولة المقبلة  في وقت تتباين فيه وجهات نظر القوى الحزبية  الإسرائيلية بشأن التسوية مع الفلسطينين.  فمن جانب  تتزايد ضغوط بعض الاحزاب على الحكومة بإتجاه استغلال الظروف المواتية اقليميا للوصول إلى تسوية تاريخية مع الفلسطنيين قوامها تأمين ما اصطلح عليه بيهودية الدولة العبرية والتخلص من الخطر الديمغرافي الفلسطيني، ووضع ترتيبات أمنية تضمن هيمنة اسرائيل وسيطرتها  الدائمة، أما في الجانب الآخر فلا تزال القوى الأخرى  متمسكة بخيارات متطرفة لا تبدو واقعية،  ومحكومة بالاساطير التلمودية . في ضوء ذلك فإن نجاح الاسرائيلين في التوافق فيما بينهم، هو المؤشر على النجاح أو الفشل في التوصل إلى  شروط تسوية، يرضى عنها الاسرائيليون أولا  وقبل أن تفرض  واقعا لايملك الآخرون سوى قبوله والرضوخ له.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث