سرقات غير أدبية

سرقات غير أدبية
المصدر: تاج الدين عبد الحق

قبل الإنتر نت، وقبل الثورة الإعلامية التي جعلت مهنة الكتابة، مشاعا لكل من هب ودب، وقبل عصر المدونات وعصر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أزالت البقية الباقية من هيبة الكلمة وقدسيتها، كانت الكتابة حكرا على شريحة حفرت لنفسها مكانا في وجدان الناس، وعقولهم، ليتحول من تضمهم هذه الشريحة، إلى نجوم تتبارى الصحف ووسائل الإعلام في استقطابهم، واستكتابهم.

وفي حمى التنافس على تلك الشريحة المحدودة من الكتاب، تحول بعض أولئك النجوم، إلى تجار يكتبون حسب الطلب، ووفق الكتالوج يميلون هنا حينا، ويميلون هناك أحيانا. وظل الكثير منهم معتمدا على قوة الدفع التي صنعتها بداياتهم، لدرجة أن بعضهم لم يعد يكترث لعمق الفكرة، وجمال الصياغة، طالما أن هناك من يدفع، وهناك من يشتري .

المشكلة ليست هنا، طالما الجمهور ” عايز كدة ” على رأي أحبتنا المصريين، لكن المشكلة أن يستغل أولئك الكتاب ثقة المؤسسات الإعلامية التي يكتبون لها، ويستغلون كثرة المنابر الإعلامية التي تفتح لهم الأبواب، ليسوقوا مقالات “سكند هاند”، يعاد استنساخها مرة بعد مرة، باعتبارها إنتاج جديد بثمن جديد، دون وازع من ضمير، ودون رادع من خلق.

وعلى أساس أن القارئ ينسى، وعلى أساس أن المؤسسات الإعلامية مشغولة بالمتابعة اليومية، يعتقد بعض الكتاب أن استحضار بعض المقالات المنشورة من أرشيفهم، ودفعها للنشر مرة أخرى بنفس العنوان، وبذات العبارات، أو بعنوان جديد وبتعديل ترتيب الفقرات، هو نوع من السرقة المأمونة ، طالما أن السارق والمسروق هما الكاتب نفسه.

وعلى خلاف السرقات الأدبية المعروفة التي يسطو فيها كاتب على نص كاتب آخر، أو يقتبس فقرات أو عبارات، أو حتى أفكارا من مقالات منشورة أو مأثورة، فإن السرقة التي نتحدث عنها هنا، ليست سرقة أدبية على الإطلاق بل إنها جنائية بامتياز. فالهدف من السرقة هنا سرقة مادية مباشرة، حالها حال سرقة مال أو متاع. إذ ما معنى أن استحضر من الأرشيف مقالا تقاضيت أجرا عليه، لأنشره في مطبوعة أو وسيلة إعلامية أخرى مقابل أجر أيضا، سوى الرغبة في الحصول على مال ليس من حق الكاتب، وفي غفلة من الناشر، أو استغلالا لحسن نيته أو لإلحاق أذى به ؟

نفهم أن ينشر كاتب مشهور مقاله، بالتزامن في أكثر من مطبوعة، وضمن اتفاق واضح يحظى برضى الجميع، ويحقق العائد لكاتب المقال ولناشره. لكن أن ينشر المقال على أنه مقال حصري وأنه مكتوب خصيصا لهذه المطبوعة أو هذه الوسيلة الإعلامية، لنكتشف أنه منشور بقضه وقضيضه في مطبوعة أو وسيلة أخرى، وفي زمن آخر غير الزمن الذي نعيشه، فإننا نكون أمام جريمة سرقة كاملة الأوصاف، وواضحة الأهداف. ولا ينطبق عليها وصف السرقة الأدبية بل السرقة المادية بالمعنى الحرفي للكلمة، فهدف النشر في هذه الحالة ليس إعجابا بعبارة أدبية أو تذوقا لها، بقدر ما هو رغبة في الحصول على البدل النقدي بأسلوب المراوغة والاحتيال.

في الماضي كان اكتشاف سرقة أدبية يحتاج إلى عمل مضن وشاق، وإلى شواهد ودلائل كثيرة قبل أن يجرؤ كاتب على اتهام آخر بالسرقة أو بالسطو على نص أدبي أو مقال فكري. اليوم يختلف الوضع فرغم أن ثورة تقنية المعلومات تتيح فرصا أكبر للصوص الذين احترفوا سرقة النصوص، إلا أن هذه التقنية تملك القدرة نفسها، على كشف حالات السرقة وتقديم الدليل عليها بأدق صورة وأوضح بيان. يكفى أن نلجأ للعم جوجل كاشف الخبايا، وحافظ الأسرار، لنعرف من كتب ومن سرق ومتى كتب وأين نشر، وكأنه لوح محفوظ، وقدر مكتوب.

السطو على نصوص منشورة حتى لو كانت للكاتب نفسه، تفتيش في دفاتر عتيقه، ووقوف على أطلال مجد آخذ بالأفول، وهي تحمل معنى الإفلاس أيضا، فالكاتب الذي يعيد نشر مقال مضت عليه سنوات يجتر قدرات سابقة، ويقدم بضاعة مغشوشة وفاسدة، لفشله في إنتاج أعمال جديدة تليق بالنجومية التي صنعها، والمكانة التي يحتلها.

نعف عن ذكر مناسبة الحديث عن هذه السرقات غير الأدبية، ونترك فهم ما تحمله من إشارات، لكل لبيب يتقن فهم الإشارة ولا يحتاج منا لصريح العبارة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث