أغنية ضائعة اسمها: كرامة

أغنية ضائعة اسمها: كرامة
المصدر: وئام غداس

سيّء أن يكون أوّل ما تعلّمه لك الحياة أن تتعامل بمرونة مع كرامتك، وإن كانت أمّي تردّد على الدوام في إصرارها أن نحافظ كأبنائها وخصوصاً بناتها على شرفنا: إنّ الفقراء لا يمتلكون سوى الشرف وإن فقدوه فقد فقدوا كلّ شيء وليس عندهم ما يعوّضون به العفّة في عيون المجتمع والناس، فما الذي يُعوّضه؟

طبعاً المال على رأس القائمة، ليس في بنية القيم الأخلاقيّة لدى الغالبيّة عناصر مطلقة، فإغماض عين والاكتفاء بالنظر بعين واحدة فقط وارد ويحدث كلّ يوم ومن المفارقات العجيبة أنّنا نفوّت كثيراً من أخطاء القويّ بسبب قوّته لكننا مع الأسف نُقيم ببساطة حدّ الحكم على الضعيف أيضاً بسبب ضعفه.

في البدء يعلّمك أهلك أن لا تأخذ شيئا من يد غريب، وأن لا تأكل في بيت صديقك أو جارك أو .. أو أيا كان ويُحفّظونك ذات الجملة: (لا أريد.. عندنا كلّ شيء في بيتنا)، يرتفع رأسك نحو السماء منذ نعومة أظفارك وتتغذّى عزّتك بنفسك من سنواتك الصغيرة، عندها تكون تجاربك محدودة والحياة ما تزال بخير، تعيش في ظلّ عائلتك ولا تُفكّر مثلاً: من أين ستصرِف غدا.

لا تسمح لأحد أن يلمس روحك بكلمة أو حتى نظرة مسيئة وتمتلئ اعتداداً بذاتك، أنت إذن هذا الكائن المحترم، الذي ولدته أمّه بحصّة كاملة من شيء لذيذ اسمه: الكرامة، تدرس، تكبر، تتخرّج من الجامعة – وربّما لا – لكنّك في كلّ الأحوال لست مخيّراً على الإطلاق أن تخوض معترك الحياة ومعترك الحياة يعني العمل!

في العمل من يعتقد أنّك تُقدّم عملاً مقابل أجرِ، هو شخص واهم، أنت في الواقع تُقدّم أكثر من ساعات العمل تلك من أجل أجرك الزهيد، وبقطع النظر عن نوعيّة هذه الامتيازات القسريّة التي تمنحها لعملك، وأيّا تكن فهي في نهاية الأمر مقتطعة أولا وقبل كلّ شيء من كرامتك.

لا أنسى، لا أنسى أبداً أنّ مزاج صاحب العمل الثريّ الشاب يقتضي في أيام كثيرة أن لا يرغب في الذهاب للعودة ببناته من المدرسة، فيكلّف ابراهيم السائق أن يفعل، يخرج ابراهيم اذن عندما نكون نحن قد انتهينا أيضاً واستعددنا منهكين للعودة لبيوتنا..

– أين الحافلة يا ابراهيم؟

– ستنتظرون ساعة على الأقلّ، ذاهب للعودة بمديراتكنّ ويغمز بخبث!

يستبدّ بي في ذلك الوقت سؤال واحد، كانت تجربتي في الحياة الحقيقيّة ضعيفة جدا، وكنت أتساءل طوال الوقت في العمل في البيت في الشارع في المقهى وفي كل مكان: كيف تستقيم الحياة إذا وقف مائة إنسان في انتظار مرور إنسانين فقط؟ من نحن؟ ومن هؤلاء؟ ما فضلهم على الحياة سوى أنّها وضعت ملعقة من ذهب في فمهم بالصدفة أو لا أدرى كيف؟ منذ ذلك الوقت أدركت أنّنا ندفع ما هو أثمن من العرق لتحصيل لقمة العيش، إنّنا ندفع الكرامة أيضا.

لازلت أعمل وكلّكم مثلي تلتقطون الخُبز من أشجار الزقوم، هكذا عندما نكبر نتعلّم أوّلاً ورويداً كيف نكره أنفسنا، نَعافُها، تنتقل إلينا عدوى أمراض مجتمعاتنا، المهووسة بحفر الهُوى بين مواطنيها وتربية الأحقاد والضغائن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث