سحر الطاغية

سحر الطاغية

يوسف ضمرة

كلمة”الطاغية” أصبحت ممجوجة.. سمجة إلى حد كبير. فهي تمنح واحدا مثل نتنياهو مثلا، فرصة لرسم مسافة كبيرة بينه وبين الطغيان، حين يستخدمها في توصيف أنظمة أخرى كالنظامين الإيراني والسوري.

يصبح نتنياهو حمامة بيضاء وهو يدافع عن ديمقراطية كيان قائم على القتل والاغتصاب والتدمير ومحو الآخر. الغريب هو أنه يلتقي هنا مع مثقفين وسياسيين عرب. فهؤلاء أيضا يساوون بين داعش والمقاومة اللبنانية، تماما كما يساوي هو بين داعش وحماس وحزب الله.

وكل هذا تصوغه فكرة واحدة، مفادها أن العالم الغربي الذي ينتمي نتنياهو إليه، هو عالم حر وحضاري وحداثي وإنساني. دعك من مئات آلاف الضحايا الفلسطينيين على أيدي نتنياهو وأسلافه. فهؤلاء “مخربون ” في العرف الغربي الذي تنتمي إليه إسرائيل. فمنذ أول بناية تنهار فوق رؤوس الأطفال والنساء فيها بفعل صاروخ إسرائيلي، يخرج قادة الغرب كالقطيع واحدا تلو الآخر، لتأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.

لقد أعد لنا الغرب ساحة ملائمة لممارسة هواياتنا المتعلقة بمركب النقص في أعماقنا؛ أن نلتحق بالغرب عن طريق التماهي معه في الشكل الحضاري والحداثي. فنحن ننسى سريعا حقيقة هذا الغرب، وننسى حقيقة حضاريته وحداثيته في فيتنام والعراق وأفغانستان وأفريقيا.

ننسى الأبارتهايد في أمريكا نفسها. ننسى قتل الملايين حول العالم، باسم الديمقراطية ودفاعا عن العالم الحر. أليست هذه هي الشعارات التي يرفعها الغرب دائما في كل حروبه العدوانية.

حسنا، ولا بأس. لماذا يظل العرب متتبعين لجرائمنا وكبائرنا؟ كيف يمكن تحييدهم أولا؟ ثم جذبهم إلى ساحتنا؟ الطاغية! تلك الكلمة السحرية التي استخدمتها أمريكا في وصف صدام حسين ثم القذافي والأسد. أجل، فهؤلاء ليسوا حكاما ديمقراطيين، ولكنهم ليسوا هم من منح فلسطين لعصابات مطارَدة في أوروبا. الإسرائليون أنفسهم يقرون أن الفلسطينيين ضحية فعل غربي. هم يقولون إن هنالك من ألقى باليهودي من نافذة عالية، فسقط”مصادفة” فوق رأس الفلسطيني! وعلى رغم ما تخفيه هذه المقاربة من مؤامرات وخطط جرى العمل عليها عقودا فاقت القرن، إلا أنها تظل مقاربة تنطوي على خيط من الحقيقة. الغرب هو المنفذ الأول.

في كل عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين أو غيرهم من العرب، تخرج جوقة الإعلام الغربية للدفاع عن الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة شمولية ومتخلفة، هي العالم العربي! لم يعد هذا كافيا، لأن الأمن الإسرائيلي لم يتحقق تماما بعدُ. صار لا بد من انضمام نخب عربية إلى المفاهيم الإسرائلية والغربية، للدفاع عنها، ولتسويق هذه الحضارية المزعومة؛ الطاغية..

يجب استغلال هذا النموذج لإشغال العرب، ولخلق أعداء بديلين للعدو الرئيس. تخلى الكثير من المثقفين العرب ـ بالرشوة المالية من مؤسسات إعلامية، وبالرشوة السلطوية في كثير من الدول العربية ـ عن توجيه أصابعهم نحو الداء الحقيقي الذي أسس ورعى فكرة الطاغية.

فوجود دول ديمقراطية حول إسرائيل، يعني حكما تركيز الانتباه على العدو الخارجي الدخيل، الذي يعلن جهارا نهارا خططه ويكشفها من دون حياء، والمتمثلة في السيطرة على العالم العربي ـ كتاب الشرق الأوسط الجديد لشمعون بيريز مثلا ـ .

الطاغية؛ أصبحت كلمة السر التي عثر عليها الغرب في مواجهتنا، علما أننا كعرب أول من لفت إليها، ولعل كاتبا مثل الكواكبي يؤكد ذلك.

أجل، لدينا طغاة ومستبدون، لكن مشكلتنا الحقيقية منذ قرون تتمثل في استعبادنا من قبل قوى وإمبراطوريات خارجية، وهي لا تزال تصر على عبوديتنا، على رغم ما تبديه من قناع الحرص على ضرورة التخلص من الطاغية!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث