بين المسيح وتولستوي!!..

بين المسيح وتولستوي!!..

نجم عبد الكريم

في عام 1902 تساءل أمين الريحاني في مقالة له نُشرت في نيويورك عن تولستوي قائلاً: ما الذي يجعل تولستوي عظيماً؟!.. في أي شيء تقوم عظمته وتتعزز ؟!.. الرجل في كتاباته غير فصيح، وفي تعاليمه غير مبتكر، وفي رواياته غير ممتاز.. فأسلوبه دائماً بسيط، ناشف، وغالباً مقعر وممل.

والذي يقرأ روايات هيجو وبلزاك، ثم يقرأ روايات تولستوي يتبين له التفاوت الكائن بينهم.. فالحماسة، وسمو التصور، والدقة في الوصف، واختلاف الحوادث ، وجمع المتناقضات، وتمجيد الجمال، والتفنن في أساليب الكتابة، والذكاء، والرقة، والمجون، كلها عناصر تفتقر إليها روايات الروسي الشهير!!..

وهو غير مبتكر في تعاليمه إذ أن مبادئه الاجتماعية وأقواله بالعَود من التصنع المعدني الفاسد الى البساطة الأصلية النقية، مأخوذة كلها عن روسو!!.. وآراءه السياسية العمرانية الاشتراكية مستعارة من كارل ماركس وهنري جورج الأمريكي، وتعاليمه الدينية هي: تعاليم المسيح بالذات !!.. ورغماً عن كل هذا وذاك فهو رجل عظيم كبير ، وإذا سألتني بماذا تقوم عظمته أجيبك سائلاً : بماذا تقوم عظمة المسيح؟!…

إن يسوع لم يؤلف المجلدات الضخمة، ولا ألقى الخطابات العديدة الفصيحة، والقليل الذي فاه به هو بعيد عن صناعة المعنى والبيان وخالٍ من الفصاحة وزخرفة الكلام، وكثيراً ما تضيع الحقيقة في صفحات المجلدات الضخمة، فهي غالباً ما بنت الايجاز والبساطة.

إن عظمة تولستوي كعظمة المسيح: قائمة بالاخلاص والصدق والاستقامة، هي قائمة بالعمل الصالح والمثل الصالح، فالاثنان قالا وفعلا، وبقية المصلحين الصغار الذين هم أقزام بالنسبة للمصلح الحقيقي يتفننون بأساليب القول ويفوؤون بعبارات رنانة ويشعوذون ويوهمون وهم في ضلال العقل هائمون .. فالفقير الذي يدعو نفسه مصلحاً ويتشدق ضد الأغبياء مبشراً بالاشتراكية ، ويفتح فمه مبهوتاً إذا رأى غنياً سائراً في عربته هو أحرى بالجلد والرفس مما هو بالاعتبار ، ومتى صار هذا الفقير المصلح غنياً تصبح التعاليم الاشتراكية عنده قاعدة معوجة ، والفيلسوف النقي الصالح الفاضل الذي يبشر بالمحبة والاخاء والسلام !!.. ثم خارج الكنيسة يدس لأعدائه الدسائس ، وفي السوق يزجر الشحاذ اذا استجداه ، وفي بيته يضرب امرأته ويشتم ابنته ، هو أولى بالشنق إذ أن ذنبه مضاعف فهو يخطئ نحو ضميره ونحو امرأته وأبناء جنسه.

• هكذا كان يكتب أمين الريحاني في بداية القرن الماضي .. وقفت طويلاً أمام مقالته هذه فخرجت منها بالنتيجة التي شاركتموني قراءة سطورها ، لكننا لو أخضعناها – كمقالة – الى مقاييس النقد الحديث لكان هناك أكثر من منفذ ننفذ منه الى نسف اطروحة كُتاب ذلك الزمان الذين لم يلتزموا بمنهجية وحدة الموضوع !!.. ولكن مقارنة تولستوي بتعاليم السيد المسيح هي الأكثر جاذبية في هذا المقال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث