نورً .. وشريف..!

نورً .. وشريف..!

نظير مجلي

الدعوة التي أطلقها الفنان الكبير نور الشريف، خلال ندوة على هامش مهرجان الاسكندرية للسينما، وطالب فيها نقابة الفنانين المصرية وسائر العرب إلى التعاون مع السينمائيين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيليىة (فلسطينيي 48)، تستحق عظيم التقدير والاحترام.

فالرجل، استغل منصة محترمة اعطيت له تقديرا لرصيده الفني الثقيل وتاريخه الوطني الجليل، وطرح موضوعا بدا وكأنه قذيفة صاروخية غير متوقعة هبطت من السماء. وكعادة الكثير منا، نحن العرب، رأوا منها القشور. فكان من تساءل إن كان هذا المنبر هو المكان المناسب لطرح فكرة كهذه. وشكك البعض بأن التعاون مع عرب 48 يفتح الطريق أمام التطبيع مع اسرائيل، علما بأن نور الشريف شدد على تمسكه بمقاطعة اسرائيل. واعتبر البعض الأمر “تدخلا زائدا في السياسة” – كما لو ان هناك فنا لا يتدخل في السياسة.

والصحيح ان موضوع تعامل العالم العربي مع فلسطينيي 48، بات ملحا. فقد مرت 66 عاما على القطيعة المشينة بين الطرفين، منذ نكبة فلسطين سنة 1948، ولا بد من عودة التواصل وتحديد اصول هذا التواصل. ولعل نور الشريف هو أنسب من يطرحه، كونه فنانا مثقفا لا يضع قيودا على عقله ولا يطمر ضميره الانساني ولا يغلق فكره الحر بالطين. وهو يعرف فلسطينيي 48 جيدا ويتابع شؤونهم منذ عشرات السنين.

وما زلت أذكر لقاءنا الأول به، في سنة 1988، مع بداية الانتفاضة الفلسطينية. ففي حينه بادرت القيادات الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة واسرائيل، إلى تنظيم رحلة “سفينة العودة”، لتنطلق من قبرص الى حيفا وهي تحمل على متنها مجموعة من المناضلين الفلسطينيين الذين ابعدهم الاحتلال الاسرائيلي عن الوطن.

وحضرت وفود رمزية عديدة من العالم للمشاركة في تلك الرحلة، رغم ان ذلك كان يعني المخاطرة بالحياة. فقد هددت اسرائيل بتفجير السفينة قبل وصولها الى شواطئ حيفا. ونفذ التهديد في نهاية المطاف، إذ تم زرع عبوة ناسفة في قاعها وهي ترابط في ميناء ليماسول وتم تفجيرها وتدميرها في الليلة التي سبقت انطلاق الرحلة. وكنا نسهر ليلتها في بيت السفير الفلسطيني في نيقوسيا، طلال ابو غزالي، وفد فلسطينيي 48 برئاسة شاعرنا توفيق زياد ووفد فناني مصر: نور الشريف وسامي العدلي وتحية كريوكا. وبدا الأحبة المصريون متشوقين للتعرف على وضع فلسطينيي 48 وما الذي جعلهم يبقون في الوطن وكيف تمكنوا من الحفاظ على انتمائهم القومي لشعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية وما هو سر هذا الثراء اللغوي في خطابهم الأدبي والشعري وكيف بلوروا موقفهم الوطني طيلة عشرات السنين داخل اسرائيل من دون أن يعترف بهم العالم العربي وغير ذلك.

وقد أصابهم، يومها ما أصاب الكثير من الوطنيين العرب، الذين تعرفوا متأخرا جدا على هذه الشريحة من الفلسطينيين. فبعد سنين طويلة من الاهمال والتجاهل، دَلـقَ العرب حبا جما علينا، فصاروا يرحبون بأي كاتب وبأي شعر وبأي سياسي يكيلون المديح لكل شيء عندنا فيتمتع “الطالح بمجد الصالح”، لدرجة ان الشاعر محمود درويش صاح ذات مرة: “إرحمونا من هذا الحب”. فنحن كما تعرفون مثل كل العرب، لدينا الخير والشر، الوطني والعميل، الناجح والفاشل، بعضنا أفاد من الأمور الايجابية في اسرائيل مثل العلم والتكنولوجيا والنجاح الاقتصادي والقيم الديمقراطية والحريات وبعضنا اكتسب مساوئ اسرائيل، الوقاحة والغطرسة والتبجح وسلب حقوق غيرك. ولا نطلب امتيازات خاصة، بل لا نستحق امتيازات خاصة. كل ما نطلبه هو ان لا نحرم من انتمائنا العروبي.

فاسرائيل، هي التي لا تريد لنا ان نكون عربا. قادتها اليمينيون يتمنون ان نختفي من هنا، ولكي ينجحوا في ذلك يأخذون علينا مأخذ التمسك بعروبتنا وثقافتنا ويجعلونها تهمة. يحاولون تفتيتنا على أساس طائفي وحمائلي وسياسي وحزبي وغيره. كل ما فعلوه ضد أهلنا في الضفة والقطاع، جربوه علينا. لذلك، فإن أولئك الذين يحرمون فنانينا من المشاركة في البرامج الفنية ذات البعد العربي الشامل، مثل مهرجانات السينما والمسرح والموسيقى والأدب بكل أنواعها وأطيافها، انما يحققون لتلك القوى الاسرائيلية مرادها. يحققون لها ما لم تستطع تحقيقه طيلة 66 سنة.

لكن عزاءنا يكمن في أمرين: الأول ان مبدعينا لا يكلون ويواصلون مسيرة الابداع، لذلك نجد ان السينمائيين هاني ابو اسعد وايليا سليمان ومحمد بكري يصلان الى هوليود وكان وفنانينا يظهرون على ارفع المسارح في العالم وأدبنا يدرس في الجامعات الاوروبية. والثاني ان هناك كثيرا من العرب الذين يتخذون موقفا مستنيرا شريفا، فلا يترددون في التعاطي مع مبدعينا ويفتحون لهم الطريق رغم الجنسية الاسرائيلية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث