هل يترك اليهود إسرائيل..؟!

هل يترك اليهود إسرائيل..؟!

نظير مجلي

في الأسبوع الماضي، نشرت نتائج استطلاع رأي في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، دلت على أنه في أعقاب الحرب على غزة، يدرس حوالي 30% من اليهود بجدية فكرة الهجرة من اسرائيل. وكالعادة في مثل هذه الحالات، نتحمس نحن العرب للخبر. ويوجد بيننا من يعتقد بأن “حربا أو حربين اخريين، واسرائيل ستفرغ من اليهود وتعود فلسطين عربية طاهرة”. وكما هو متوقع، اعتبرت حماس الأمر أكبر برهان على انها انتصرت في الحرب. واهتمت قنوات تلفزيونية عديدة بالخبر فاستدعت المحللين والخبراء للتعليق على الموضوع. وتحول الى مهرجان احتفالي.

والحقيقة ان هذا مثل آخر على بؤس العديدين منا نحن العرب. وفيهم قال المثل: “يطوشون على شبر ماء”. فلو قرأنا هذا الاستطلاع بعمق وحللناها يشيء من المهنية والعلمية، سنجد انه ينطوي على معلومات ليس بالضرورة تخدم مصالحنا كعرب عموما وكفلسطينيين بشكل خاص.

فأولا، كان هناك استطلاع مشابه، نشرت نتائجه صحيفة “هآرتس” في سنة 2012، التي شهدت ايضا حربا على غزة وقصفا بالصواريخ من غزة لاسرائيل، وقال فيه 37% أنهم يفكرون بجدية الهجرة من اسرائيل. وكما هو معروف، لم يهجر اسرائيل لا 37% ولا حتى 3% من اليهود. لذلك، لا تتحمسوا. وفي التقرير الذي نشرته الصحيفة، يومها، سئل أحد خبراء الاحصاء فقال إنه في العادة لا يهجر من هؤلاء إلا 2%.

وثانيا، علينا ان نفحص من هم هؤلاء الثلاثين بالمئة الذين يدرسون الهجرة ومن هم هؤلاء الذين لا يفكروا أبدا بالهجرة. فالغالبية الساحقة ممن يفكرون في الهجرة (حوالي 82%) هم من مصوتي أحزاب المعارضة اليسارية الذين تتراوحح اعمارهم ما بين 30 و48 عاما. وهم الناس الذين يؤيدون السلام مع الشعب الفلسطيني على أساس مبدأ دولتين لشعبين. وهم الناس الذين يبحثون عن حياة ازدهار ورخاء وتقدم. ويعتبرون متمسكين بالأسس الديمقراطية وحقوق الانسان.وأما الذين لا يفكرون بالهجرة، وتبلغ نسبتهم حسب الاستطلاع 56% من اليهود (14% رفضوا الاجابة)، فهم مصوتون لأحزاب اليمين وأيديولوجيون، يؤمنون بالصهيونية وبالحق التاريخي لليهود على ارض اسرائيل والمستوطنون في الضفة الغربية والقدس وسكان “الأحياء التحتا” في المدن الكبيرة وسكان بلدات التطوير (أي الفقراء). عمليا، سيهجر اليهود المتعقلون، الذين يمكن التعايش معهم بسلام وسيبقى المتطرفون الذين يرفضون السلام ويتمسكون بالاحتلال (الذي لا يعتبرونه احتلالا).

وثالثا: لقد أرفقت القناة الثانية هذا الاستطلاع، بتقرير صحفي جرت خلاله مقابلات مع عدد من اليهود الذين هجروا اسرائيل فعلا، خلال السنوات الماضية. فأكدوا جميعا على هجرتهم تمت بالأساس لأسباب اقتصادية. وقال أحدهم صراحة انه لا يعتقد ان الحرب على غزة عادلة ولذلك فإنه لا يريد أن يدفع ضرائب جديدة لتغطية نفقات حرب لا يوافق عليها. وأكدوا بشكل عام ان هجرتهم تمت لأنهم يبحثون عن حياة استقرار وهدوء وسلام، وليس حياة توتر دائم وركض وراء الرغيف. وتكلم غالبيتهم عن الواجب الانساني في توريث أبنائهم شيئا ايجابيا، أملا ونجاحا، وليس بشائر حرب أبدية. وقال أحدهم: “أنا متدين، وعندي ضمير. وأومن بأن إنجاب أولاد هو مهمة مقدسة. فلا يجوز لنا ان نرميهم في حقل ألغام، ملأى بالحروب والقتل والمصاعب الأخرى”.

لسبب ما، لم يقابل معدو التقرير الصحفي أولئك اليهود الذين قالوا في الاستطلاع، إنهم يتمسكون بالعيش في اسرائيل ولا يدرسون الرحيل عنها. فلو فعلوا، لكانوا استمعوا الى خطابات في “الوطنية الحامية”: “هذا وطننا المقدس” و”نموت ولا نرحل” و”صامدون في وجه العدو حتى نمحوه عن وجه البسيطة” وغير ذلك. وهي الشعارات التي نسمعها ونقرأها كثيرا بلغتنا العربية. والمتطرفون اليهود ، يا سبحان الله، يرددونها بنفس لهجة وعقلية من يرددها من العرب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث