كاتب الظل … لا يزال يكره النور!!

كاتب الظل … لا يزال يكره النور!!
المصدر: طارق الشناوي

عدد من الموهوبين ما يزالون تفضيل البقاء في الظل وهم من يطلقون عليهم “SHADOW WRITER ” ، كاتب الظل القضية ليست جديدة عربيا أو عالميا ولكننا بين الحين والأخر نتابع بعض وقائعها ، انها جريمة لا تغتفر اسمها التأليف من الباطن.

طارق الشناوي

الطرفان متعادلان في الإدانة من يكتب أو يلحن مقابل أجر ومن ينسب لنفسه “جينات” فنية غير شرعية وحرام .

كنت قد قرأت مجدداً مذكرات نجيب الريحاني التي أصدرتها “دار الهلال” بعد رحيله عام 49 بعدة سنوات وراجعها قبل النشر رفيق مشواره بديع خيري توأمه الفني والروحي، ذكر الريحاني كيف التقى ببديع لأول مرة ، حيث أن نجيب كان قد اختلف مع أمين صدقي كاتبه الأثير قبل بديع فلجأ لأحد أفراد الفرقة وهو في الحقيقة لم يكن يمتلك موهبة بل كان يستعين من الباطن بكاتب ناشئ وهمس أحدهم في أذن الريحاني باسم بديع خيري وعلى الفور التقاه نجيب، وكان يصفه بأنه كان خجولاً وأذاب نجيب هذا الخجل وكونا معاً واحداً من أهم إن لم يكن أهم ثنائي عرفته الدراما المصرية والعربية سينمائياً ومسرحياً، الغريب أن التسجيل التليفزيوني النادر وأظنه الوحيد لبديع خيري مع مذيعة التليفزيون الراحلة سلوى حجازي، سألته كيف التقى مع الريحاني، لم يأت أبداً على ذكر واقعة الكتابة من الباطن، وقال إن الريحاني سمع باسمه ككاتب موهوب يعرض على مسرح للهواة فذهب إليه وبدأت الرحلة وبالطبع بديع لم يشأ أن يعترف بتلك الجريمة علناً وعلى رؤوس الأشهاد.

ولكن علينا ان نتحرى الدقة حيث ان الامر ربما لا يخلو من بعض الشائعات التي يروجها البعض من اجل تحقيق شهرة وأحيانا من أجل ابتزاز كاتب أو ملحن. الموسيقار محمد عبد الوهاب كثرا ما واجه هذه الاتهامات ، بل أن شكسبير طالته تلك الشائعة ولم يحسمها سوى الكومبيوتر قبل عشرين عاما عندما أدخلوا كل مسرحياته للفحص طبق لبرنامج محدد فأثبت الكومبيوتر أنها كلها من فكر وليم شكسبير.

الكتابة من الباطن لو تأملتها ستكتشف أنها صفقة محرمة، أحد الكتاب الشباب قرأت له مؤخرا حوارا ذكر فيه أنه كان يكتب من الباطن العديد من الأعمال الفنية ولم يشعرني بأي إحساس بالندم ولم يبرر حتى بأن احتياجه للمال دفعه لذلك، أنه أقرب لما يعرف في الحياة الفنية ب “دراماتورجي” أي أسطى دراما، ولديه قدرة على اختيار المفردات العصرية والشابة و”الروشة” كما يقولون بالمصرية ، هل تتذكرون مسرحية “جلفدان هانم” لعلي أحمد باكثير شخصية عاطف الأشموني التي أداها محمد عوض، ظل طوال أحداث المسرحية نادماً يردد “أنا عاطف الأشموني مؤلف قصة الجنة البائسة”، بينما هذا المؤلف لم يشأ أن يذكر كم “جنة بائسة” صاغها من الباطن.

قبل أكثر من ستين عاماً كان هذا هو القانون السائد في الدراما السينمائية، مثلاً الكاتب الكبير بهجت قمر والد الشاعر والكاتب الموهوب أيمن بهجت قمر، كان يمارسها في بداية مشواره والغريب أنه ظل حتى رحيله يكتب من الباطن، كان بهجت قد صار اسماً كبيراً في دنيا الدراما ولكن بعض المخرجين من أصدقائه كانوا يلجئون إليه لكي يصلح السيناريو وخاصة الحوار وكثيراً ما كان يضيف مشاهد رئيسية ليحمل الفيلم جينات “قمرية”.

بعض الكبار اضطروا في ظروف خاصة أن يكتبوا من الباطن مقابل أجر، الموسيقار الكبير بليغ حمدي وهو في سنوات الغربة خارج مصر في نهاية الثمانينيات تنازل عن اسمه كشاعر واكتفي فقط بان تُنسب الأغاني إليه ملحناً وصعد اسم شاعر أخر رغم أنه لم يكتب شطرة شعرية واحدة طوال حياته، وحتى الآن لا يزالوا يكتبون له ، انها ظاهرة لم ولن تنتهي

طالما كان هناك من يدفع ويجزل في العطاء وهناك طرف أخر ينتظر و يقول هل من مزيد!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث