الميت يمشي…

الميت يمشي…

جيهان الغرباوي

مثل قناع كان وجهه، عليه طبقة سميكة من الدهان، كالذي اعتاد مقدمو البرامج وضعه امام الكاميرات.

مثل الشمع كان شعره متجمدا ومرشوشا بطلاء، يعطيه لمعانا صناعيا، كانت تمقته على أية حال.

ليلتها بدا متخشبا، حتى وهو يحاول الابتسام، ويفتح يديه ويدعوها لعناقه بتكلف واضح، ومحبط.

حتى طوله الفارع الرائع، استحال لحظتها كأنه جذع شجرة جاف، بلا روح ولا معنى.

بدا لها مثل مهرج مسكين، انتهى لتوه من تقديم فقرة طويلة في السيرك، وحصد التصفيق المعتاد، ثم خرج وغادر كشافات النور، وهو مجهد لدرجة الاعياء.

( الفارس القدير حين يقع تكون إصابته كبيرة ) وكذلك هوحين أصابته أمراض الشهرة، كانت إصابته خطيرة !

وقف أمامها و الأصباغ فوق وجهه، لكنها لا تغطي ملامحه الحزينة إلى حد المرض.

عينان غائبتان … وابتسامة كاذبة إلى حد الفضيحة

يومها احتضنته وكأنها تحاول أن تتأكد من وجوده، و تعمدت أن تغمض عينيها، وألّا تطيل النظر إليه.

كانت تواسيه؟ أم كانت تواسي نفسها؟

ظنت أنها في مهمة إنقاذ لروح غريقة تستجدي قبلة الحياة.

روحه التي كانت تغرق؟ أم هي التي كانت تفقد أنفاسها، وتهبط إلى القاع تحت الماء، حيث لا ضوء ولا صوت ولا رحمة ولا شيء ابدا ولا قرار(؟)

مدت يدها تحت سترته التي بدت غليظة، وغريبة، لكنه تمسك بسترته الرسمية، ولم يشأ خلعها كأنه يحتمي بها، أو يجعلها درعا واقيا ضد أي احساس أو أي ارتفاع في درجة الحرارة يتسرب إليه و هي تحتضنه!

كان خائفا من حبيبته، مثل ميت يخاف أن يمسه شخص حي!

كان قلقا.. مثل جثة ترتاب أن يعبث بها اللصوص!

ليلتها لم تكن أول مرة يجدها تنتظره عند الباب، حين يدخل البيت، لكنها كانت أول مرة تنتظره ويأتي، فلا تعرفه ولا تراه، ولا تجده.

كان صدرها ساخنا ومتباهيا، كأنه يغني بصوت عال للحياة والجمال والأمل.

و رداؤها كان حريريا اسودا، بلون بدا بعد فترة مناسباً للموقف الجنائزي، مع إنسان صار مثل شريط باهت، مسجل، بينما هو في الحقيقة (لايرى لا يسمع لا يتكلم).

عانقته .. كأنها تشده قبل أن يغرق ..

كأنها تتشبث به بكل قوتها قبل أن يضيع ويبتعد للأبد.

حاولت.. حاولت ..

حتى صار الخوف والحب في مواجهة الموت والحياة، في مقابلة اليأس و الثقة، المرض والقوة، الإدعاء والاخلاص، التظاهر والصدق، العجز والجسارة .. شئ رحل حزينا وشئ قادم واعدا يبتسم.

الكل اجتمع وتصارع وحاول واستمات.

لكن بطلها تراجع وابتعد وفض الاشتباك بعد دقائق …

كانت ليلة فائقة السرعة، فائقة القسوة.

ليلة شم النسيم لم تكن مبهجة بقدر حبها للورد و الألوان، ولم تكن جميلة بما يليق بموعد حب أو بموسم للخصب وربيع متفائل.

في الصباح، بقيت على المائدة لفافة (الفسيخ) التي أحضرها معه، وفوق المفرش الاحمر القطيفة، كان كأسا من شربات الورد الذي أعدته خصيصا من اجله..قد اهدر و انسكب !

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث