شيخ الإعلاميين

شيخ الإعلاميين

شيخ الإعلاميين

بقلم تاج الدين عبد الحق

عرفت الاستاذ صلاح أبو زيد شيخ الاعلاميين الاردنيين، قبل أن ألتقيه. عندما عرفته كان ملء السمع والبصر، ولم أكن قد أنهيت الدراسة الإعدادية بعد.  كان قد أسس الإذاعة الأردنية، التي أصبحت العنوان الأبرز لوطن فقير بالموارد مثقل بالأزمات.

كنا عندما نستمع لصوته الرخيم العميق عبر الأثير، ندرك أن في الأفق أمراً جللاً. فقد اعتدنا عليه، مقدماً لخطابات العاهل الأردني الراحل الملك حسين. في تلك الأيام لم يكن يدور في خلدي، أن الأقدار ستتيح لي فرصة الالتقاء به والتحدث إليه، والاقتراب منه إلى هذا الحد. فبيني وبينه مسافة عمر، وتجربة حياة، من الصعب اجتيازها إلا بمعجزة. لكن ذلك حدث لحسن حظي، وذلك عندما جاء إلى أبوظبي ضمن الوفد الأردني الذي رافق العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني،  في أول جولة عربية له بعد إعتلائه العرش. في تلك الزيارة كان الوفد يضم تشكيلة واسعة من الشخصيات السياسة الأردنية المخضرمة، التي عملت مع العاهل الأردني الراحل  وصحبها الملك عبدالله معه في أول نشاطاته السياسية الخارجية، كانت هذه المجموعة تضم عدداً من رؤساء الحكومات السابقين ورؤساً الديوان الملكي والأجهزة الأمنية وقيادات عسكرية بالإضافة إلى أركان الحكم في ذلك الوقت.

 

عندما قابلته لأول مرة كنت أعمل مراسلاً لجريدة الشرق الأوسط اللندنية في أبوظبي،  وجئت – على غير عادة مبكراً – إلى الفندق الذي يقيم به الوفد الأردني محاولاً الحصول على سبق أو حديث. كان بهو الفندق هادئاً، وكان الجالس الوحيد فيه تقريباً، هو الأستاذ صلاح أبو زيد يقرأ صحيفة، ويحتسي القهوة،  فتقدمت إليه متهيباً مستئذناً بالجلوس معه. وبدل أن أكون أنا السائل أصبحت مسؤولاً، سألني كما لو أنه يعرفني منذ زمن طويل عن تفاصيل شخصية دقيقة، بما فيها سؤال عن راتبي وعدد أولادي، وعما إذا كان دخلي يكفيني وإذا كنت قد اشتريت مسكناً في الوطن وغيرها من الاسئلة التي لم أكن اتوقعها. بدا لي للحظة أنه أب يطمئن على أحوال ولد من أولاده. بعدها تحدث عن دلالات الجولة ومعانيها السياسية، وأذكر أنه قال لي أن اصطحاب العاهل الاردني الجديد آنذاك،  لهذه التشكيلة الواسعة من رجالات الأردن، كان هدفها التأكيد على الاستمرارية، وهو العنوان الذي وضعته للقصة التي بعثت بها لصحيفتي.

 

بعد ذلك، وعندما انتقل الأستاذ أبو زيد للإقامة في أبوظبي، أصبحت لقاءاتي به منتظمة. زرته في بيته في أبوظبي ، وفي الأردن مراراً، وكانت لي معه جلسات بالساعات، وتعرفت من خلاله وفي منزله على مجموعة من رجالات الأردن وشرفني بزيارات لبيتي، وكان شاهداً على عقد زواج ابنتي.

خلال هذه المدة حاولت استدراجه لكتابة مذكراته مبدياً استعداداً لمساعدته لوجستياً،  لكنه رفض بإصرار، معتبراً أننا غير مهيأيين لتقبل مذكرات شفافة. ومع ذلك فإن الحديث الذي سمعته منه، وتجربته الإعلامية والسياسية العريضة، أضاءت لي جوانب فترة غنية من تاريخ الأردن عندما كان محاطاً “بالاعدقاء” الذين لم يخرج من أزماته معهم، إلا بعد أن أصبح الملاذ للكثيرين منهم. 

 

كان الأستاذ صلاح أبو زيد أحد رموز تلك المرحلة، وواحداً من الحلقة الضيقة جداً التي أحاطت بالعاهل الاردني الراحل، وهو موقع أثار غيرة كثيرين، فكادوا له ونجحوا في إبعاده عن المكان، ولم ينجحوا في تقليص المكانة. في تلك الفترة  كانت حروب الأشقاء لا تزال معارك إعلامية، وكان صلاح ابوزيد واحداً من جنرالاتها الكبار، الذين صمدوا أمام آلة الاعلام الناصرية التي كانت تفوقه عدة وأعداداً. انتقل من الاعلام للخارجية التي أصبح وزيراً لها دون أن ينسى حبه الأول، حتى وهو على أعتاب التسعين من عمره. ولا تزال ذاكرة  الإعلاميين الأردنيين تذكره كأحد صناع الهوية الأردنية، وكلما ذكرت الاذاعة وكلما ذكرت الاغنية والتمثيلية الاردنية  يذكر صلاح ابو زيد، بإعتباره أحد الذين وضعوا لبناتها الأولى،  قبل أن تشق طريقها، حاملة نكهتها المميزة، وهويتها المستقلة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث