قل لهم يا ..سميح القاسم..!

قل لهم يا ..سميح القاسم..!

نظير مجلي

في هذا العصر، الذي غدت فيه المقاومة أيضا غطاء للمباذل الشخصية وستارا للمصالح الحزبية والفئوية، غاب سميح القاسم، أحد رموز المقاومة الحقيقية التي عرفت معنى “شرف السلاح”.

لم يعرِّف سميح القاسم نفسه مقاوما، فهذه صفة أطلقها الناقد المصري رجاء النقاش، خلال دراسة نقدية لشعر مجموعة من الشباب بينهم محمود درويش وتوفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران وحنا ابو حنا ولأدب اميل حبيبي ومحمد علي طه وغيرهم. لكنهم حملوا لواء المقاومة بشموخ و.. بتواضع شديد.

كان سميح القاسم يومها شاعرا مثل رفاقه المذكورين، وكان شابا نحيل الجسم ضعيف البنية، يكاد يجد القوت والشرطة الاسرائيلية تلاحقه بالنبوت. انهم مجموعة من الشبان العرب الفلسطينيين، من الرعيل الثاني لبقايا النكبة. نموا وترعرعوا في الجليل والمثلث وحيفا، تحت سلطة حكم عسكري فرضته اسرائيل على المواطنين العرب، الذين لم تعرف ماذا تفعل بهم. فقد خططت لأن لا يبقى في دولتها عرب.

كانت مستعدة لأن “تبلع” بعض البلدات التي تعاون مخاتيرها مع الحركة الصهيونية قبيل الحرب. لكنها لم تتوقع بقاء أناس “وقحين” في رفضهم النكبة متمسكين بانتمائهم الوطني وتراثهم الجميل. فراحت تمارس بحقهم شتى صنوف القمع والاضطهاد.

لم يحمل سميح القاسم ورفاقه يومها السلاح. ولم يقيموا جيشا ولا “دعشا”. فقد حسبوها جيدا.

وأدركوا خبث المخطط الرامي لتشريد من تبقى في الوطن، فقرروا أن المعركة الأساس تتمثل في البقاء، في غرس أقدام الشاهد على عروبة المكان، في أعماق الأرض. لم يستخدموا خطابا أهوج حتى لا يتحول ذلك الى سلاح لتشريدهم. لم ينجرفوا وراء خطابات عشوائية تحرر فلسطين بالكذب وتبشر برمي اليهود في البحر في وقت كان فيه الفلسطينيون يقذفون الى الصحاري القفار.

كانوا مجموعة من الشبان الصغار، الذين لا يزيد عمر أكبرهم عن 26 عاما. لكنهم تمتعوا بمسؤولية القادة الكبار. درسوا الموقف بعمق وروية. حسبوا خطاهم بذكاء وواقعية. حددوا اهدافهم بتواضع ومهنية.

ورسموا خريطة طريقهم: البقاء اولا وثانيا وثالثا. ثم الحفاظ على اللغة والتراث والأرض. والحرص على أرواح الناس كي لا يصبح طعاما لآليات الدمار الهمجية. وإذكاء شعلة الأمل ورفع الروح المعنوية. وخوض معركة طويلة الأمد في مواجهة العنصرية العدوانية، بلا هوادة.

سميح القاسم ترجم هذه المسيرة بأشعار خالدة، قال فيها:

“جعلتني ابنها من قرون / أرضعتني البقاء”، و”منتصب القامة امشي/ مرفوع الهامة/ في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي”، و”ربما تسلبني آخر شبر من ترابي / ربما تطعم للسجن شبابي / ربما تسطو على ميراث جدي من اثاث واوان وخوابي / ربما تحرق اشعاري وكتبي / ربما تطعم لحمي للكلاب / ربما تخدع اصحابي بوجه مستعار / ربما ترفع من حولي جدارا وجدارا وجدار / يا عدو الشمس لكن لن اساوم / والى آخر نبض في عروقي سأقاوم “.

ولم بقتصر شعره على الروح الوطنية الجياشة، بل تعداها لمخاطبة الآخر خطاب الند للند، رافعا منارة الحضارة الانسانية بقيمها الجميلة:

“ولم يزل جبينك المناره/ في عتمة الضمائر / ولم يزل صوتك يا حبيبتي/ فضيحة القاتل ..بعد ليلة الخناجر/ ولم أزل أنتظر الإشارة لأشعل المجامر/ لأنني مازلت يا حبيبتي / أومن في فجيعتي/ بالضوء ..بالإنسان ..بالحضاره !”.

وعلى هذه الكلمات وغيرها، أرسل الحاكم العسكري سميح الى السجن. فما تراجع ولا فقد صوابه. ظل ذلك الشاعر الذي ينسجم في أفكاره مع طريق سياسي عميق الذكاء والاخلاص لقضيته الوطنية. لكن السجن والملاحقات بكل صنوفها، لم تفت في عضدهم، بل عززت ايمانهم بعدالة قضيتهم.

لقد كان سميح القاسم ورفاقه مقاومين حقيقيين. لم يقعوا في مطب اسرائيلي ولم ينجرفوا وراء شعارات فضفاضة. ففرضوا حضورهم على حكومات اسرائيل، بحيث لم تعد واقعية اية محاولات تهجير. وراحوا يزدهرون بالانجازات في كل المجالات. ولذلك، فإننا نراه حتى في الذهاب الى دار الحق، منصب القامة يمشي ومرفوع الهامة، تاركا لنا تراثا نحتاج الى دراسته في المقاومة الحقيقية المخلصة.