المخمليون والمهمشون

المخمليون والمهمشون

يوسف ضمرة

أسوأ ما في الحروب، هو أن السياسيين يعيشون عليها.

أتذكر في هذا السياق مقولة للكاتب أنطون تشيخوف حول النقد، حين يصف النقاد”بقراد الخيل” .

فالسياسي عاطل من العمل. وهو ينتظر فرصة ما؛ حربا أو توترا أو انقساما أو، أو، لكي يعلن عن نفسه، ويحقق المزيد من النجومية. السياسيون بهذا المعنى لا يأبهون بدم إخوتهم وشعوبهم وأبناء جلدتهم.

فالسيسي مثلا أراد من خلال الدم الفلسطيني إعادة الاعتبار لدور مصر الإقليمي. فهو يدرك أنه عاجز عن تحقيق هذا الدور من خلال إعادة النظر في بنود اتفاقية كامب ديفيد مثلا، أو في اتفاقية تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، فوجد الدم الفلسطيني فرصة سانحة، خصوصا حين كلفه الكيان الصهيوني والأمريكان وسلطة أوسلو بالقيام بهذه المهمة.

والأمر ينطبق على السياسيين الصهاينة. فالكل يحاول الظهور بمظهر المتعنت والصلب والدموي في مواجهة الفلسطينيين، وهو ما يرتب مزيدا من المجازر اليومية في غزة. لكنهم جميعا بذلك يحاولون تجنب مصير”نهاية الخدمة” سياسيا بعد انتهاء الحرب.

سياسيا، تبدو هذه الحرب الأخيرة، بنتائجها المتعينة على الأرض حتى اللحظة، قادرة على قلب معادلات عاشت أكثر مما ينبغي. فلم تعد سلطة أوسلو ـ بانتخابات وبدون انتخابات ـ تمثل إلا طبقة مخملية في المجتمع الفلسطيني، بينما صعد الآن بوضوح نجم الفقراء والمهمشين، الذين لطالما دفعوا دائما ثمن التسويات والاتفاقيات والحروب، تماما كالجنوبيين في لبنان!

وسياسيا أيضا لم يعد مجديا التعنت المصري تجاه غزة وشعبها، بحجة الخلاف مع حماس. فالعدوان ليس على حماس، والضحايا الفلسطينيون ليسوا من حماس. إنهم عشرات، بل مئات الأطفال والنساء الفلسطينيين الذين قد لا يعرف بعضهم أحدا من حماس. صار لزاما على من يريد تهدئة ـ والتهدئة دائما لصالح الكيان الصهيوني ـ أن يأخذ نشيج الرجال وولولة النساء وخوف الأطفال وتشوهاتهم في الاعتبار. فلولا صمود الغزيين وصلابتهم وصبرهم لما استمرت المقاومة في تصديها البطولي للعدوان، ولما تمكنت من تكبيد العدو هذه الخسائر الفادحة، المعلن عنها، والمُتستَّر عليه.

أما أكبر التحولات السياسية، فهي أولا ما سوف تحدث في الكيان الصهيوني نفسه. فقد أصبح الزج بالجنود في حروب تبدو عبثية للمجتمع الإسرائيلي، أمرا غير مقبول لمجموعة من الناس جاءت إلى فلسطين بحكم القوة القادرة على فرض الأمن والشروط الإسرائيلية. لقد تبين لهؤلاء زيف هذا الأمر، وهشاشة المجتمع والدولة. وتبدو الأمور مستقبليا في صالح ما سمي باليسار الإسرائيلي، القادر على تجميل وجه الكيان من جهة، والقابل بحل الدولتين كما ينادي المجتمع الدولي. فجولات العدوان أخذت تأتي بمردود عكسي لم يألفه الإسرائيليون إلا مؤخرا منذ 2006 وما تلاه من حروب.

أما ثانيا، فإن الدول العربية سوف تصبح مضطرة للتعامل مع مكونات الشعب الفلسطيني كلها، ولن تكون قادرة بعد اليوم على اختزال الفلسطينيين في سلطة بدت عاجزة أكثر من مرة، وساهم عجزها في تعرية العجز العربي نفسه.

لن تمر هذه الحرب مرورا عابرا، وقد بدأت ملامح التغييرات تظهر منذ الآن، وقبل وقف إطلاق النار، لكن المتأخر دائما في استيعاب الدروس هم العرب.. للأسف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث