شيوخ وقساوسة…تجربة أمريكية ناجحة

شيوخ وقساوسة…تجربة أمريكية ناجحة

إميل أمين

في ستينات القرن المنصرم تساءل أديب فرنسا الكبير “أندريه مالرو:” هل سيكون القرن الحادي والعشرين قرنا دينيا أم لا؟.

المؤكد أن المشاهد المدقق والمحقق، يخلص بيقين كامل هذه الأيام إلى أن قرننا هذا بات ديني بامتياز، وما الصحوات الدينية فيه إلا ارتداد إلى الذات، خوفا من العولمة في مجتمعات بعينها، وجدت ذاتها فجأة غير قادرة أو قابلة للتعاطي مع حقيقة انهيار السدود وزوال الحدود الجغرافية التاريخية، والإبحار في العالم السيبراني الفسيح الممتد.

إذن هو الدين، وبلاشك لا دين بغير إمام أو مبشر، وعليه فربما يكون مفتاح الجواب عن سؤال مالرو هو البحث عن التكوين العقلي والفكري لائمة المؤمنين ومنارات الدين، وهل هو تكوين عقلاني أم عاطفي، تكوين ينزع إلى إحياء اليقينات التراثية المطلقة، والعصبيات الطائفية المغلقة، أم تكوين ينزع إلى المعادلة العصرانية التى تمزج بين التراث في جوهره والحداثة في جوهرها، وإهمال القشور والانحرافات من على الجانبيين.

الشاهد أن الولايات المتحدة الأمريكية، هي البلد الإمبراطوري بالفعل الذي يأتيك منه كل جديد ومثير، وفارق شاسع بين إدارات وحكومات تعتنق أرثوذكسيات سياسية صماء، وبين معاهد علمية ودينية تتشوق إلى رحابة الابستمولوجيا “المعرفة” عوضا عن ضيق الإيديولوجية.

من هذه النماذج، معهد “هارتفود اللاهوتي” والذي يحمل شعار “استكشاف الاختلافات” وتعميق الإيمان.

Exploring differences, deepening faith

الفلسفة الجديدة لهذا المعهد القديم التأسيس إذ ترجع جذوره إلى عام 1834 تقوم على أنه في مجتمع يجد نفسه مرغما في التعامل مع التغيرات السريعة على نحو متزايد، تصبح عملية تنشئة القادة الدينيين مسألة مصير في محاولة لمواكبة الخطي.

يستضيف الحرم الجامعي بضع عشرات من الطلاب حاليا معظمهم من المسلمين، في حين أن الغالبية العظمى من الطلاب يقيمون خارج الحرم الجامعي، ويقدم المعهد مجموعة متنوعة من خيارات الدراسة تعكس الاحتياجات الجديدة للمشهد الأمريكي.

يروي رئيس المعهد البروفيسور “هيدي هادسيل” المسار التاريخي لتلك المؤسسة العلمية الفقهية.. ” كان المعهد أداة مفيدة في إعداد المبشرين ومع ذلك مع مرور الوقت، جنبا إلى جنب مع الخبرة والألفة مع الإسلام نما الاحترام الذي قادنا إلى اتخاذ قرار وضع مهاراتنا في خدمة الحوار بين المسيحيين والمسلمين والبقاء مخلص لدعوتنا المسيحية وشهادتنا الإيمانية.

تهيئ الدراسة في معهد هارتفورد الدراسين لتقبل وجود فكرة مجتمع مختلف من حيث العرق والثقافة والدين، دون تمييز أو تفرقة بين أولئك الذين سيصرون قساوسة أو شيوخ، باحثين ودارسين ومدرسين، عطفا على البرامج المتخصصة في دراسات الحوار ما بين أتباع الأديان والهدف الرئيس هو تزويد الطلاب سواء بالمعرفة الأكاديمية أو المهارات العملية للقيادة التى هي ضرورية للعمل في عالم متعدد دينيا مثل عالمنا.

ما الذي يميز تجربة معهد هارتفورد عما سواها من التجارب الخاصة بالدراسات الدينية حول العالم عامة وفي أمريكا خاصة؟

بحسب القائمين على هذا العمل التقدمي أمران الأول هو تجربة تفاعل الطلاب وبعضهم البعض إذ يقدم المعهد كل سنة دورة بعنوان:” الحوار في عالم متنوع” وهي إلزامية لجميع الطلاب المسجلين في درجة الماجستير.

والفرق الثاني يتعلق بالتنبيه للوضع اللوجستي للطلاب، إذ يعيشون في الشقة الواحدة طلابا من خلفيات دينية مختلفة، ومما لاشك فيه أن التفاعلات الحياتية ينمكن أن تعلم أكثر مما يمكن تعلمه أثناء الدروس..

يعن لنا أن نتساءل هل من مقارنة بين تلك التجربة وبين ما يجري في مؤسساتنا الأكاديمية العربية، التى توقفت كثيرا أمام النقل، وقصرت غالبا في حق العقل.

نتساءل لماذا يتقدم الغرب ونتخلف نحن؟

ربما لا يملك الغرب حجر الفلاسفة، إلا أن مجتمعاته المفتوحة، وتجاربه التي تؤام بين العقل والنقل، تقدم عالميا الشروط المثلي للمضي قدما في رحلة البحث عن الإجابات أمام أسئلة الإنسانية المصيرية..

من قبل تساءلنا هل من لاهوت تحرير عربي واليوم يتقلص الأمل ويصغر مجال التطلع: فهل من “هارتفورد” عربي، في عالم عربي، عرف ذات مرحلة من تاريخه الذهبي تعايش أتباع الأديان، وتقبل أفكار الإنسانية وعلومها شرقا وغربا ترجمة وتأليف وتصديرا للغرب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث