جدي ينافس فريد الأطرش

جدي ينافس فريد الأطرش

محمد بركة

يخيَّل إليَّ والله أعلم أن المثل الشعبي «أقرع ونُزهي» خرج من تحت يد ترزي الوجدان الشعبي على مقاس جدي بالتمام والكمال، فالرجل – اللهم لا حسد – لم يكن يملك بيتًا ولا أرضًا، وعندما بلغت 4 سنوات كان فلاحًا أجيرًا لديه بقرتان وحمارة وزوجتان تقيمان معًا تحت سقف واحد فى بيت من طين أهداه إياه الشيخ سعد.

والحق أن الشيخ معوض – جدى – لم يكن ليبالى بالزعيم الخالد وهو يقول في دفء وحميمية: ارفع رأسك يا أخي.. أو حين يصرخ في غضب وعصبية: أنا الذي علمتكم الكرامة!

فبفضل سياسة الإصلاح الزراعي، حصل جدي على قطعة لا بأس بها من الأرض الزراعية تحتاج فقط إلى قليل من الجهد لتهيئتها واستصلاحها، لكن هذا «القليل» كان كثيرًا بالنسبة للرجل الذي فضَّل أن يظل أجيرًا يشتغل بمزاجه، يوم آه وعشرة لأ، على أن يصبح أحد السادة الملاك، ما دامت الأرض لم تنزل مهيأة، أعرف أنه لم يكن يطيق المسؤولية، ولهذا تحديدًا تزوج متأخرًا، وظل طويلًا يقلد فريد الأطرش وعبد الوهاب وغيرهما من النجوم الذين كانوا يؤخرون ارتباطهم الرسمي حتى يظلوا حلم كل جميلة غير مرتبطة، وحتى بعد زواجه ظل جدي نموذج «المعجبانى» الوسيم. والعجيب أنني طوال الوقت كنت أسمع عبارات من نوعية: فلان فين؟

– في المعدمين.

– أرضك الجديدة اشترتها فين؟

– جنب المعدمين.

ولم أعرف أبدًا أن «المعدمين» هذه بقعة من أفضل الأراضي الزراعية تقدر بآلاف الأفدنة وزعتها ثورة يوليو على من هم دون خط الفقر بمراحل «المعدمين بلغة ذلك العصر»، هؤلاء الذين كان يقدر عددهم بعشرات الآلاف، فأصبحوا في الألفية الثالثة عشرات الملايين.

الفارق أن حكومة ثورة يوليو كانت تسمى الأشياء بمسمياتها فصكت هذا المصطلح الخشن الحاد الصادم «المعدمين»، فى حين رأت حكومة رجال البيزنس التي أطاحت بها ثورة يناير أن تخفف من وقعه، فصكت هذا المصطلح الأنيق المستورد..

«القرى الأشد فقرًا»، لكن ربك والحق اختلف المسمى صحيح، لكن ظل الهدف واحدًا وهو النهوض بأحوال هذه الفئة، حيث عمد الضباط الأحرار إلى توزيع الأراضي بالمجان، بينما عمد السماسرة وأصحاب التوكيلات، قبل وضعهم فى سجون طرة، إلى توزيع التصريحات الوردية.. وأيضًا بالمجان….

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث