العنصرية .. وجه أمريكا الاخر

العنصرية .. وجه أمريكا الاخر

إميل أمين

هل تحطم حلم مارتين لوثر كينج؟ في خطبته الشهيرة المعروفة باسم “لدي حلم” تحدث القس المغدور، داعية الحقوق المدنية الشهير عن حلمه لأطفاله الأربعة، الذين سوف يعيشون يوما ما في دولة، لا يحكم فيها على أساس لون بشرتهم وإنما شخصهم وأفعالهم، ولكن ما جرى في مدينة “فيرجسون” لا تزال رواياته متعددة، وان كانت القصة تدور حول قيام ضابط بوليس أمريكي أبيض بإطلاق الرصاص على شاب أسود أعزل “مايكل” وقتله بشكل متعمد، ومما زاد من تفاقم الوضع في الولاية، التي تقطنها أغلبية من السود، وقوع حادث مشابه آخر، حيث أطلق مجهولون النار بشكل عشوائي على المارة في أحد شوارع مدينة “نيواورلينز” ما أدى إلى مقتل وإصابة سبعة أشخاص.

تطرح احداث مدينة فيرجسون علامة استفهام هامة جدا:” هل فشلت السياسيات الأمريكية عامة، وسياسات باراك أوباما خاصة في توحيد الشعب الأمريكي؟ وهل لا تزال نار العنصرية مشتعلة في النفوس الأمريكية بعد نحو خمسة عقود من الاعتراف بالأمريكيين من أصول إفريقية كمواطنين كاملي الأهلية في ستينيات القرن المنصرم؟ يبدو ومن أسف أن العنصرية لا تزال ضاربة جذورها هناك، وأن هناك من الدلائل ما يؤشر إلى ذلك بقوة.

خذ إليك على سبيل المثال ما ذكرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانية بشأن ما يعرف ب‍ “منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة” “نيو أمباير نايتس” وكيف باتت تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم تطهير الأراضي الأمريكية منهم على حد زعمها، وتشن المنظمة حملة دعائية منذ الشهر الماضي على السود وتزعم أن 90% من الجرائم في أمريكا يرتكبها السود، واتهمت المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود ولا يلاحقونهم، كما كانوا يطاردون اليهود في القرون الوسطى.

الدعوات العنصرية لهذه المنظمة بلغت حد أنها رصدت جائزة مالية ضخمة للضابط الأمريكي المتهم بقتل “مايكل بروان” وتؤكد الأندبندنت أن تلك المنظمة المتطرفة تعد بمثابة امتداد لمنظمة “كوكلوكس كلان” العنصرية البيضاء التي كانت تمارس الاعتداءات الوحشية على السود في مناطق الجنوب الأمريكي، ووصف الموقع الرسمي للمنظمة الشاب القتيل براون بأنه مجرد واحد من السود الأشرار.

الأمر في حقيقته لا يتوقف عند حدود المؤسسات أو المنظمات اليمينية المتطرفة، بل يمتد إلى العديد من قطاعات المجتمع الأمريكي، فعلى سبيل المثال، ورغم بلوغ رجال الشرطة من أصول إفريقية إلى نحو 40% من تعداد الشرطة الأمريكية، إلا أن الوضع لم يتغير بالنسبة للعلاقة بين السود بشكل عام وجهاز الشرطة، ومن ناحية الوظائف، فنسبة بطالة السود تقدر بثلاثة أضعاف البيض، ما يسوقنا إلى أن الشركات الأمريكية، مازالت تحدد تعييناتها باللون والعرق.

والشاهد أن ما تشهده المدن الأمريكية من فترة لأخرى، هو بمثابة نسخة طبق الأصل عن جولة حدثت في أواخر الستينيات في عهد الرئيس ليندون جونسون، وانفجار الغضب الأسود بعد أن قام البيض بتحقيرهم وإذلالهم، مما اضطر الرئيس الأمريكي لأن يدفع بالجيش الفيدرالي إلى الشوارع “لضبط الأوضاع” .

في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة ABC الأمريكية الإخبارية، بالشراكة مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، حول مستقبل التعايش المشترك في البلاد بين السود والبيض، وقد جاءت النتائج في واقع الأمر صادمة، فقد اعترف 6 من أصل 10 إفريقيين أمريكيين بأن العلاقات العرقية ليست على ما يرام أو أنها هزيلة وذهب أكثر من نصف البيض بقليل إلى وصف اختيار رئيس أسود للبلاد أنه أمر خطير.

والمؤكد أن انتخابات باراك أوباما في حد ذاته كان دلالة لا تقبل الشك على أن المجتمع الأمريكي لا يزال رازحا تحت أغلال العنصرية، فتصويت السود في انتخابات الرئاسة 2008 بأغلبية كاسحة وشبه مطلقة لأوباما أكد على أن معيار الاختيار عرقي وإن حاولوا تعليل ذلك بأنهم يريدون معالجة التفاوت في الرعاية الصحية والدخل والعدالة والتعليم.

الحلم الامريكي يكاد ينهار تحت اقدام العنصرية ما يعني أن صولات وجولات العنصرية الأمريكية لن تتوقف عند حدود فيرجسون بل ربما تتجاوزها إلى ولايات ومدن أمريكية أخرى، وفي هذا تقع الكارثة لا تحدث الحادثة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث