الله يرحم سارق الأكفان

الله يرحم سارق الأكفان

أحمد مصطفى

في إحدى قرى الريف في زمن مضى، التصقت صفة “سارق الأكفان” بأحد سكان القرية الذي عرف عنه أنه يسرق كفن الميت فور دفنه (وغالبا ما يكون من قماش ابيض جيد وغالي الثمن) للاستفادة منه.

وكان للرجل ابن وحيد لم يترك له الكثير حين توفاه الله سوى لقب اعتاد أهل القرية كلهم أن يذكروه به: “ابن سارق الأكفان”. فيقال: ابن سارق الأكفان راح، ابن سارق الأكفان جاء، ابن سارق الأكفان فعل كذا أو كذا.

سئم الابن ذلك، فذهب لحكيم القرية وطلب منه النصيحة فيما يمكن أن يفعل ليتوقف الناس عن وصفه هكذا، فقال له الحكيم: وتفعل ما أقوله لك حرفيا مهما كان؟ فوافق.

نصحه الحكيم بأمر غريب، وهو أن ينتظر موت أحد سكان القرية وعند دفنه يذهب في الليل ويسرق الكفن ولا يفعل مثلما كان يفعل أبيه بأن يعيد دفن الجثة، بل يسحبها على الطريق عارية ويشوهها.

استغرب الفتى لكنه فعل ما نصحه به الحكيم، فقد كان الوصف لا يطاق ويريد الخلاص منه بأي شكل. وكانت المفاجأة صباح اليوم التالي لأول جنازة في القرية.

مر الناس صباحا في طريقهم من البيوت إلى الحقول ليصدموا بالجثة المشوهة على قارعة الطريق أمام المقابر وقد جردت من كفنها. فصاروا جميعا يترحمون على “سارق الأكفان” ويدعون له بالمغفرة “فقد كان يستر الميت”، “لم يكن ليدنس جثة وان استفاد من كفنها”، “كان يراعي حرمة الموت، ستر الله حرمته”.

وهكذا اختفت الصفة عن الابن، وأصبح ذكر والده مقرونا بالرحمة “الله يرحم سارق الأكفان”.

تذكرت تلك الحكاية مع متابعة احوال كثير من بلداننا وشعوبنا، من ليبيا التي يفعل المتطرفون بسكان عاصمتها ما لم يفعله نظام القذافي، وبإعلام مصر الآن مثلا مقارنة بعصر صفوت الشريف، والأمثلة لا تنتهي عن مشوهين ومدنسين ومنتهكين يجعلون الناس تترحم على سارقي الأكفان.

لا يمكن أن تخلو القرى، والمجتمعات الأكبر ـ حتى الدول والأقاليم ـ منها، من “سارق الأكفان” ويعد مقياس التدهور أن “يترحم” الناس على سارق الأكفان باعتباره كان أقل سوءا مما هم فيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث