وبعدين يا غزة .. !

وبعدين يا غزة .. !

نظير مجلي

لكي تكون الأمور واضحة من البداية، إن ما يحدث من دمار وتقتيل لقطاع غزة الحبيب، هو صنيعة الجيش الإسرائيلي. ممارساته وحشية وهمجية، لا تعرف الحد الأدنى من الرحمة او الأخلاق. لا يوجد لهذا العدوان أي مبرر. ولا يقبل فيه أي تفسير.

ولكن، إذا كانت هذه هي الطريقة الإسرائيلية في العدوان، فإن الأمر يحتاج وبشكل ملح إلى قيادة فلسطينية تعرف الرحمة والأخلاق والمسؤولية الوطنية. وفي هذا يوجد خلل ما لا بد من التوقف عنده.

إسرائيل من جهتها تعاطت مع هذه الحرب مثلما يتعامل رجال الأعمال في عالم الأعمال، “البزنيس”، فيما يعرف باسم “الرأسمالية الخنزيرية”. فقد وجدت زبونا “عنتريا”، يستخدم العضلات ولا يستخدم الحكمة ولا الدهاء، فاستغلت بساطته حتى مص الدماء. فهذه الحرب على قطاع غزة، جاءت لحكومة بنيامين نتنياهو، مثلما تكون “العتمة على قد يد الحرامي”.

ففي كل نتائج استطلاع الرأي يحظى نتنياهو بتأييد هائل من المواطنين، بعدما كانت شعبيته قد انهارت إلى الحضيض. مكانته تتعزز داخل حزبه ومعسكره، على الرغم مما يتعرض إليه من انتقادات وضغوط لإكمال المهمة وإعادة الجيش إلى داخل القطاع. والأهم من ذلك، هو ان الجيش الإسرائيلي أجرى تجارب جديدة لأسلحته الجديدة على لحم ودماء شعبنا في غزة.

فالجيش الإسرائيلي هو الجيش الأهم في بيع الأسلحة، لأنه يبيعها مجربة. وسيقوم هذه السنة بتسويق ما لا يقل عن 10 أنواع جديدة، مثل القبة الحديدية والطائرات بلا طيار والغلاف الألكتروني الذي يحمي الدبابات من القذائف والسيارة المجنزرة بلا سواق والقنبلة الذكية المتوسطة التي تخترق أسطح البيوت لعدة طبقات وتدمر الأنفاق وأجهزة الرصد والرادار وغيرها.

لم تخطط إسرائيل لاسقاط حكم حماس على الاطلاق، بل هي معنية ببقائه. ليس حبا في اسماعيل هنية وخالد مشعل، بل لأنها تفضل قوتين متصارعتين في قيادة الفلسطينيين: غزة مقابل رام الله والقطاع مقابل الضفة وفتح مقابل حماس ومشعل مقابل عباس وهكذا.

ففي الانقسام علمنا نحن الفلسطينيين إسرائيل ما هي مصلحتها. لكن إسرائيل ضربت حماس، إضافة إلى الأسباب السابقة، لأنها تريدها قوية على الفلسطينيين وليس على إسرائيل.

والمفاوضات التي شهدتها القاهرة تشير إلى ذلك بوضوح. فهي لا تعارض في تخفيف حصار غزة ومنح حماس انجاز ما في هذه الحرب، شرط ان تقبل بالشروط حول “نزع السلاح بالتدريج”.

وبما أن حماس لا تكتفي بهذا المكسب، وإسرائيل تصر على فرض شروطها تحت تهديد القوة والبطش، تستمر الحرب.

يتراكم الدمار في غزة (وليس في إسرائيل طبعا). تتزايد أعداد القتلى بين المدنيين بشكل خاص (أيضا في غزة وليس غيرها). تتصاعد أعداد الجرحى، وقسم ضخم منهم سيبقون معوقين (..). وهناك جرحى لا يحسبون عندنا، لأسباب تتعلق بالتخلف والبعد عن الرحمة، هم الجرحى النفسيون.

إسرائيل لا تخسر كثيرا، مقارنة مع خسائر غزة، ولذلك فإن جمهورها يؤيد الحرب. بل يمارس الضغوط على نتنياهو كي يستمر فيها ويعمقها.

فما هو المطلوب من الضحية الفلسطينية في هذه الحالة؟ هل يمنح نتنياهو هذه الراحة؟ هل يساهم في تمديد الحرب، كما يطلب المتطرفون في اليمين والمسؤولون في الجيش عن تجريب الأسلحة الجديدة؟ هل يواصلون طرح شعار “الصمود” في وجه الاحتلال الغاشم؟ وهي صحيح اعتبار الخضوع لهذا العدوان الشرس المجرم، هو صمود فعلا، أم بات نوعا من استرخاص الدم الفلسطيني واستسهال المعاناة البشرية الرهيبة لشعبنا في غزة؟

لقد عرف المحاربون في التاريخ كيف يتراجعون خطوة للوراء في الوقت المناسب. وخلد الشاعر توفيق زياد تلك الحكمة قائلا: ” إنّها للخلف كانت.. خطوةً..

من أجل عشرٍ للأمام!! … “. فتعالوا نتوقف عند هذه النقطة، حتى نحمي من تبقى من الفلسطينيين سالمين في غزة. وإلا فإن الاستمرار في الحرب لا يكون فقط بسبب الوحشية الإسرائيلية، بل على الأقل بمسؤولية مشتركة للطرفين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث