أيها العباقرة ..رفقا بنا !

أيها العباقرة ..رفقا بنا !

غادة خليل

وجهت إلى نفسي لوما شديدا على تقصيري في الآونة الأخيرة في مطالعة الكتب والغوص في بحار المؤلفات، ورفضت كل المبررات التي ساقتها لي نفسي الأمارة بالسوء مثل إيقاع الحياة الذي لا يرحم لعربية مغتربة مثلي تعمل في الغرب 40 ساعة أسبوعيا- حسب قوانين العمل هنا. وكانت بداية استعادة أمجادي القديمة كتاب صادر في القاهرة يحمل عنوان “ثورات العرب – خطاب التأسيس” للدكتور علي مبروك، لكن فرحة ما تمت ” أخذها الغراب و طار” !

تصفحت سريعاً فصول الكتاب، فهالني نوع الأسلوب المبتكر وطبيعة المصطلحات المنحوتة بعبقرية وماركة التراكيب اللغوية “فشر شانيل و برادا ” ، فكلها من نوعية :

التحليل الانكساغوري.. الانبناء السياساوي.. الجهاز المفاهيمي.. القياس الاستتباعي.. القياس الاستلقاحي.. المشرق البياني العرفاني.. السلف النيوتوني.. منهج مانوي معياري.

طبعاً هذه المصطلحات سالفة الذكر مجرد «عينة» صغيرة لمئات أخرى لا يسع المقام لذكرها جميعاً، لكن المدهش حقاً أن الأمر لم يتوقف عند هذه الحدود، بل امتد إلى عبارات وجمل كاملة من نوعية:

التحول من نسق المعرفة الأرسطي الاستنباطي المغلق إلى نسق المعرفة البيكوني الاستقرائي المفتوح.

ارتسام المشرق كفضاء للعرفان الغنوصي أجبر «الكندي» على أن يقف وحيداً في العزلة والعراء.

ولأن الجواب يُقرأ من عنوانه، ستجد عناوين الفصول هي الأخرى آخر آلاجة:

– الفصل الثالث: عن سؤال الواقع ونقل مركز المقاربة من البرانى إلى الجواني..

الفصل الرابع: من النقد إلى نقد النقد… هل غاب الواقع كأيديولوجيا؟ «ونسي المؤلف أن يتبع هذه العناوين بالتساؤل التاريخي الميتافيزيقي «عروستي؟”

بحثت بين دفتي الكتاب عن أي شيء يشير إلى أنه يخاطب طبقة معينة من القراء مثل العباقرة و صفوة الصفوة “على وزن نقد النقد ” فلم أجد، وبالتالي ليس أمامي سوى التعامل معه باعتباره عملاً موجهاً إلى «العامة» في بلد %40 من سكانه لا يفرقون بين الألف وكوز الدرة. بسبب انتشار الأمية الأبجدية .

والحق أن القضية أكبر من د. علي وكتابه الجديد، فالمؤلف بالمناسبة باحث جاد و أكاديمي مجتهد يحمل لقب أستاذ مساعد بقسم الفلسفة بآداب القاهرة، وصدرت له خمسة مؤلفات في الفترة من 1993 حتى 2007.

القضية قضية مثقفين قد يكونون جادين، لكنهم تورطوا في التعالي على الناس، وانعزلوا في أبراج عاجية، واعتصموا خلف أسوار حديدية من المصطلحات العجيبة التي تشبه في غموضها وجرسها لغة الكائنات الفضائية في أفلام الكارتون!

رحم الله د. طه حين يسيل رقة وبساطة وشاعرية وهو يتناول أعقد القضايا الفلسفية الشائكة بيسر شديد، وهو القائل: «لغتنا العربية يسر لا عسر»، فاستحق يا خسارة أن يكون عميد الأدب العربي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث