ما تبقى لهم

ما تبقى لهم
المصدر: يوسف ضمرة

ما لم يدركه الإسرائيليون حتى الآن، هو أنه كلما ازداد شهداء غزة وجرحاها، وكلما ازداد الدمار والقتل والظلم، أصبح القبول بالحلول المبتورة أمرا أكثر صعوبة، وأصبح الدفاع عن ما تبقى أكثر سهولة أيضا. فليست حيوات الناجين أغلى من الشهداء والجرحى والمشردين. ثمة في غزة الآن مأتم شعبي، وقضية تحظى يوميا بإجماع أكبر. أصبح قطاع غزة عائلة واحدة، لا جغرافيا يسكنها شعب واحد. صار كل شهيد يخص الأحياء كلهم من الشمال إلى الجنوب.

على هذا الأساس ينبغي لنا النظر إلى ما يجري في العواصم العربية والعالمية للتوصل إلى اتفاق بقضي بوقف إطلاق النار ـ أو للدقة ـ بوقف العدوان الهمجي الذي تقوم به عصابات القتلة المأجورة في كيان مارق.

مصر لم تعد معنية بإخفاء دورها في هذا العدوان. مصر لا تسمح حتى للمصابين بالخروج، ولا تسمح لقوافل الإغاثة الطبية بالعبور. ومصر تصر برغم ما تراه من محاولة استئصال كلّي للفلسطينيين في غزة، على أن مبادرتها لن تُعدل. إنها تمنح العدو فرصة ومزيدا من الوقت لارتكاب مزيد من الفظاعات التي ندرك أنها جزء من تكوين العقلية الصهيونية.

كان يمكن لمصر أن تستجيب ـ لو كانت صاحبة قرار ومالكة سيادة ـ لطلبات المقاومة الإنسانية البسيطة، المتمثلة في فتح معبر رفح ورفع الحصار. هل هذا كثير؟

حماقة مصر الرسمية تتمثل الآن محاولة انتزاع دور من الآخرين على حساب الدم الفلسطيني. لكنها سوف تدرك آجلا أم عاجلا أنها لم تسلك مسلك الحكماء أو الأهل وأولياء الدم. وهكذا سيخرج الأمر إلى الأمم المتحدة، لأن من كانت تعتبره شريكا، وهو عباس وسلطة رام الله، لا يستطيع الذهاب أبعد من ذلك. فهو في نهاية المطاف رئيس للشعب الفلسطيني الذي يُستنزف ويُستهدف يوميا وطوال سنوات، بالرغم من كل ما قدمه من ضمانات ووعود “سلمية ” للصهاينة.

لم يعد الدم الفلسطيني يسمح لأحد بقبول اختزال العدوان في وقف النار ومن ثم التفاوض. صار لا بد من ثمن كبير لهذا الدم وهذه التراجيديا التي يقترحها الفلسطيني طوعا وقسرا على نفسه.

صار لا بد من عالم يفتح عينا على الأقل كي يرى بعض المعاناة وبعض التحول الجيني في خارطة الجينات الصهيونية التي لا تشبه خارطة الجينوم البشري.

لا تسألوا الفلسطيني الآن في غزة عن رأيه في وقف إطلاق النار. لا تخيفوه بالمجازر، فقد ارتوت الأرض، وفقدت الأسرة الغزية أبا وشقيقا وابنا وبنتا وجدا وجدة. فقط على من يبحث عن حلول أن يفكر بما تبقى لدى فلسطينيي غزة، وأن يسأل نفسه إن كان هنالك ما يخيف أو يرعب أو يُخشى فقده، وحينها سوف يكتشف أنه أمام أسرة مكشوفة في العراء؛ إما أن تنجو أو تهلك، وليحتفل العالم كله حينها بالقضاء على مئات الآلاف من الأسر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث