الانتصار والتعتير..!

الانتصار والتعتير..!

نظير مجلي

أكتب هذه الكلمات، وأزيز الطائرات الإسرائيلية المقاتلة يصم الآذان. تحوم في الجو وتغير على قطاع غزة في حرب جديدة تتصاعد بالتدريج مع استمرار اطلاق الصواريخ. ورائحة الغاز المسيل للدموع، الذي أطلقته الشرطة ضد المتظاهرين احتجاجا على قتل الفتى المقدسي محمد ابو خضير، بإحراقه وهو حي بأيدي ستة مستوطنين يهود، بما أسموه الانتقام لمقتل الفتية المستوطنين بأيدي فلسطينيين.

الحرب التي هددت بها إسرائيل أصبحت واقعا إذن. وكما اعتدنا من حروب سابقة، فإن نتيجة هذه الحرب معروفة سلفا: قصف صاروخي فلسطيني على البلدات الإسرائيلية، غارات إسرائيلية هوجاء على قطاع غزة، وليس مهما من بدأ ومن رد عليه. فالمهم أن الحرب قد وقعت. مقابل كل اصابة إسرائيلية عشر أو عشرات الاصابات في الطرف الفلسطيني، ومقابل كل بيت إسرائيلي يهدم عشرة بيوت فلسطينية تمحى من الوجود، ومقابل كل قتيل إسرائيلي عشرات القتلى الفلسطينيين.

وجنبا الى جنب، تحاول مصر التوصل الى اتفاق تهدئة جديد. واحتمالات النجاح فيها مساوية لاحتمالات الفشل، مع العلم بأن الطرفين يكلفان مصر بهذه المهمة. وكلاهما يبلغها انه معني بالتهدئة.

والتلخيص لدى الطرفين ايضا بات جاهزا: كل طرف سيعلن الانتصار على العدو الغاشم. ومع ان الإسرائيليين سيتحدثون عن انتصارهم بالبيانات للاعلام، إلا أن الفصائل الفلسطينية ستقيم مهرجانات نصر في الساحات والميادين التي ستجلجل امام الهتافات والخطابات الرنانة.

وأما ضحايا هذه الحرب، فلا أحد يذكرهم بعد احتفالات النصر. القتلى من جهتنا كفلسطينيين، نعتبرهم شهداء ونزفهم كالعرسان، والأمهات الملوعات يزغردن أمام الكاميرات فرحا بالشهادة. وتغيب الكاميرات فيما بعد، لتبقى كل منهن بلوعتها وحسرتها وآلامها وشوقها الحارق لإبنها. ولا احد يجيبها على سؤالها إن كانت الشهادة هي المصير الوحيد المقدر لهذا الابن أو تلك الابنة او ذاك الطفل والطفلة. وهناك جرحى ومعوقون من أصحاب العاهات المستديمة، الذين يتحول كل منهم إلى نصب تذكاري متحرك يشهد على الجريمة والنصر الموهوم.

والإسرائيليون يذكرون أبناءهم باستمرار ويبنون لهم النصب التذكارية ويقيمون الطقوس “حضارية” ويوزعون لهم الأوسمة ويدفعون التعويضات للعائلات، ولكن أحدا لا يقنع أمهاتهم بأن التضحية بهم كانت ضرورية. وهناك ايضا معوقون مستديمو العاهات. وكوارث اجتماعية وعائلية. والزعماء يخطبون ويتبجحون.

وأما عن الدمار والخسائر المادية، فحدث بالهرج والمرج.. ولا حرج.

وأما التشوهات والاصابات النفسية، فهذه “امتيازات”، لا أحد يعترف بوجودها وأخطارها.

وبما اننا نعيش في منطقة باتت فيها حياة الانسان رخيصة، وفي كل يوم يسقط عشرات القتلى ويصاب فيها مئات الجرحى وتنفذ فيها أعمال دمار رهيبة، في العراق وسورية بشكل خاص، فإن أية نتيجة لحرب على غزة تظل “بسيطة” بالمقارنة مع بقية الجبهات. ولذلك فإن القيادات في الطرفين تجد نفسها في وضع أفضل. وتستطيع القول إنها ليست الأسوأ في هذه الحقبة من الزمن. ولا أحد يكترث إلى حقيقة أن الحرب في غزة غير متكافئة. ولا أحد يعترف أنها حرب زائدة وغير ضرورية.

فالأهم بالنسبة اليهم، في الطرفين، هو ان يحقق مكاسبه الحزبية الضيقة. حماس التي تعيش عزلة خانقة بسبب خلافاتها مع مصر ومع سورية ومع ايران وحزب الله، ستعود لتجرف التعاطف الفلسطيني والعربي. والجيش الإسرائيلي الذي يخوض معركة مع وزارة المالية الإسرائيلية، بسبب رفضها زيادة موازنته، سوف يحظى بالزيادة المطلوبة وأكثر. ونتنياهو الذي تنهار شعبيته في إسرائيل بسبب ضعف ادائه وتردده وإخفاقاته، سيوحد المزيد من القوى حوله ويستعيد بعضا من شعبيته.

كل منهم يسجل لنفسه انتصارا، انتصارا لنفسه وليس لشعبه. لنفسه وليس لبلده. ومن بعده، يستعد للانتصار القادم. والناس “المعترون” ينتظرون “التعتير” القادم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث