السيسي والقرارات سيئة السمعة

السيسي والقرارات سيئة السمعة
المصدر: تاج الدين عبدالحق

تسحب القرارات غير الشعبية التي أصدرتها الحكومة المصرية، برفع الدعم عن أسعار بعض السلع الاساسية، من رصيد الشعبية التي يتمتع بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. لكن يبدو أن الرئيس السيسي لا يراهن على شعبيته لتمرير تلك القرارات، وإلا لما استعجل إصدارها، في توقيت لا يبدو ملائما وفي شهر تتزايد فيه أعباء المعيشة.

القرارات برغم الاعتراضات المبكرة التي واجهتها، ليست قرارات سيئة، إلا من حيث السمعة. فالحيثيات والمبررات وراء إصدارها قديمة، وسبق للأنظمة والحكومات المصرية المتعاقبة أن حاولت إصدار وتطبيق قرارات مماثلة، لكنها كانت تتراجع في كل مرة تحت ضغط الشارع، وتجنبا للمواجهة مع قوى المعارضة.

رفع الدعم عن أسعار بعض السلع الأساسية وفي شهر رمضان المبارك، تعبير عن جرأة سياسية، وتأكيد على رغبة الرجل في التصدي للملفات الصعبة والأزمات المزمنة، بأسلوب مختلف وطريقة جديدة. وهو لا يبدو غافلا عن تجارب الأنظمة السابقة، التي كانت تتراجع عن قرارات أقل حدة عند أول مسيرة في الشارع، أو إعتراض في الإعلام .

والمفارقة أن السيسي يتخذ قرار رفع الدعم في وقت تتوفر لديه موارد مالية من حلفائه في دول الخليج، تجنبه هذه المواجهة المبكرة مع قوى المعارضة. فالأربعين مليار جنيه المتوقع أن تتوفر للخزينة المصرية جراء رفع الدعم، متوفرة بشكل أو آخر، عبر معونات خليجية وصلت بالفعل، أو وعود حقيقية تعمل دول مانحة وحليفة لتوفيرها لمصر في المدى المنظور. لكن الواضح أن السيسي لا يبحث عن علاج مُسكِّن كما كانت تفعل الأنظمة السابقة، ولا يريد ترحيل الأزمات وتأجيلها كما كان عليه الحال قبل ثورتي 25 يناير و30 يونيو. ما يبحث عنه أكثر من تقطيع الوقت، وتمرير فترة رئاسة هادئة تهيء له فرصة التجديد.

ويبدو أن مقاربة السيسي للمشكلة مختلفة هذه المرة. فالمعالجة تأخذ طابعا مباشراً وشاملاً، وهي جزء من حزمة إجراءات، لايشكل رفع الدعم إلا رأس جبل الجليد فيها. فوصفة الخبراء المحليون أو الدوليون الذين اقترحوا على الحكومات المصرية المتعاقبة رفع الدعم تتكامل مع إجراءات واستحقاقات أخرى. فتوفير مبلغ 40 مليار جنيه على الخزينة المصرية، لن يساهم في تقليص عجز الموازنة، بل يعني أيضاً، تمكينها من حل جزء مهم من مشكلة البطالة المزمنة. إذ يمكن توجيه جزء كبير من هذه المبالغ لإطلاق مشاريع تستوعب الآف العاطلين عن العمل في متوالية تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة وتطوير مناطق جديدة أو تحسيين مناطق قائمة.

وحسب الخبراء؛ فإن نتائج هذه العملية لا تتوقف عند المردود المباشر، بل تتعداها إلى خلق مناخ جديد يشجع على جذب الاستثمارات وإطلاق مزيد من المشروعات، التي توفر بدورها فرص عمل إضافية وتحسن من مستوى المعيشة.

القرارات التي أصدرتها الحكومة المصرية برفع الدعم، هي قرارات اقتصادية بامتياز، وهي ليست بدعة من النظام الجديد، ولا تعبير عن اختياراته، بل هي إرث من حكومات متعاقبة، ارتضت السلامة، ونأت عن المعالجة طلبا للسلامة. لكنها في النهاية دفعت الثمن مرتين، فهي لم تحافظ على وجودها، ولم تحفظ للشعب المصري حقه في حياة كريمة وتنمية مستدامة.

مشكلة الرئيس السيسي وهو يطلق قرارات رفع الدعم، أن الشعب المصري هو الخصم والحكم. فهو يعتمد على شعبيته. ولايملك قاعدة حزبية ولا رصيدا سياسيا يمكنه من احتواء ردة الفعل الجماهيرية على القرارات أو منع المعارضة من استثمارها، وتجييرها لخدمة أغراضها السياسية. ما يملكه السيسي هو شعبية ظهرت واضحة في انتخابات الرئاسة. لكن المزاج الشعبي وحده لا يبعث على الاطمئنان فهو مزاج متقلب خاصة في القضايا التي تتصل بحياة الناس اليومية.

الرئيس السيسي وهو يستعجل إصدار قرار رفع الدعم، يدرك أن لديه قضية اقتصادية محقة يمكن الدفاع عنها في وجه خصومه السياسيين بمن فيهم الإخوان الذي بحثوا خلال فترة حكمهم القصيرة مثل هذا الخيار، لكن المشكلة لا تكمن في هؤلاء، بل في كيفية تجاوز ردات الفعل الشعبية المتسرعة، فالآمال العريضة التي علقها المصريون على عهده، بنيت على أساس أن حل الأزمات المعيشية بات في متناول اليد، أو على الأقل أن علاجها سيكون بلا كلفة إضافية، وبدون مزيد من المعاناة والأعباء.

النجاح في تنفيذ قرارات رفع الدعم تعتمد على قدرة النظام في إقناع المصريين، بأن هذه القرارات تصب في النهاية في صالح عملية التنمية، وأن ثمارها ستعود عليهم في نهاية المطاف. وهذه المهمة ليست سهلة خاصة وأنها تتوجه إلى قطاعات لاتملك طاقة صبر إضافية، وإلى جماهير لم تعد مستعدة للتعلق طويلا بحبال الحكومة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث