البرفان.. ضد حقوق الإنسان

البرفان.. ضد حقوق الإنسان

جيهان الغرباوي

طول عمري نعنوشة وفرفوشة.. أحب النزاهة وادلع روحي، وما استخسرش في نفسي حاجة أبداً.. خصوصاً لما أسافر برة، عاديكم ع اللي بيحصلي واللي بيجرالي لما أشوف محلات البرفانات والمكياجات والهدايا والاكسسوارات والحاجات والمحتاجات، الأصلي بتاعة بلدها، ما اقدرش احوش نفسي (تقولشي النداهة بتندهلي).

عندهم هناك حاجة اسمها “تيستر” يعني كل شيء متاح للاستعمال والتجربة مجاناً، دون قيد أو شرط أو أي التزام نفسي أو أدبي بالشراء.

أنا أشوف كده، وثقافة الحرمان تشتغل، وعنها وهات يا “تيستر” فشر نجيب الريحاني في أفلامه القديمة!

يعني لو عندهم شيكولاتة.. أدوق، ولو عصير أجرب، ولو جبنه هولندى ما يخسرش، ولو فستق مقشر مفيش أي مانع، واتسلى وأحكم بنفسي إن كان طازة أو محمص أو ناقص ملح.

وعلى طريقة “أبو بلاش كتر منه” وهي فلسفة وطنية أصلية، يعتز بها آلاف المصريين والعرب أمثالي، في مثل هذه الأماكن، تتكرر نفس التجربة على نطاق واسع في قسم العطور ومساحيق التجميل وكريمات العناية بالبشرة، على اختلاف ماركاتها العالمية وأسمائها التجارية، وبلد المنشأ، وأسعارها الفلكية، التي لا تسترعي انتباهي غالباً، ولا تشكل لي أي اعتبار، استناداً على موضوع “التيستر” أياه، على رأي المثل: (السم لو ببلاش يطرّى ع المعدة).

في “ماركوس” وهو أكبر مركز تجاري في هاواي، قبله الموضة والرفاهية الأمريكية، وحيث يتردد (الليدز أند جنتل مان) من أثرياء ونجوم ومشاهير الدنيا

أتيحت لي فرصة التجول ومتعة الفرجة والدهشة والاكتشاف، وتفقد المعروضات حوالي أربعة –خمس ساعات، حتى إن قدمي أصبحت تئن بحملي، وتطلب الراحة والجيل المرطب بالنعاع المنعش، للعناية بالأطراف وأظافر القدمين، وحيث إن هذا النوع من الدلع متاح ومجاني في مثل هذه الأماكن، جلست على أقرب مقعد، كي أضع قدمي في الجيل بالنعناع، وأجرب في يدي أحدث ألوان طلاء الاظافر “الأورانج- ميتالك- إيف سان لوران”.

ومن باب استثمار الوقت –بالمرة- طلبت من البائعة المختصة “تيستر” قناع الوجه المنظف للبشرة، ومن بعده الليسيون القابض للمسام، ثم سألتها بعفوية المليونيرات، ورقة سيدات الطبقة الأستقراطية الناعمة، لو كان عندها “أي شادو” – يعني ظلال جفون – يليق بلون عيني، و” ماسكرا” تطيل الرموش، و”بلشر” وردي للخدود؟

فلم تكذب البائعة خبراً، وذهبت من فورها، تستفتي زميلة لها عند واجهة العرض الزجاجية المجاورة، عن طبيعة الخطوط ودرجات الالوان وأنسب الأنواع التي تناسبني، و قد تقمصت الدور تماماً، لدرجة أقنعت معظم العاملات الأنيقات في أقسام البيع القريبة، بالألتفات حولي، وتقديم النصح والإرشاد اللازم، مع إبداء ابتسامات عريضة مرحبة، تنم عن حرارة المشاعر، وتؤكد أن الكلمات الأجنبية الغامضة التي سمعتها منهن يومها – كانت بمعنى ( تحت أمرك يا أفندم.. بكل سرور- نتمنى أن نراك كثيراً عندنا.. تأمرينا حضرتك) ومن ناحيتي كنت أهز رأسي قليلاً وأبتسم ابتسامة ود خفيفة، تليق بكبرياء كليوباترا، وسحر نفرتيتي وعراقة توت عنخ آمون، ولمزيد من التواضع وإبداء التباسط مع البائعات الفلبينات المهذبات. كنت أردد على مسامعهن بين فترة وأخرى سلامات.. سلامات.. سلامات.

(وهي كلمة فلبينية بمعنى شكراً، وليس لها علاقة تذكر بأغنية نادية مصطفى).

في النهاية تأملت نفسي بزهو أمام المرآة، وبالطبع لم أشتر أي شيء بحجة أني أفضل أن أعود للبيت، وأسمع رأي زوجي أولاً، ثم أنصرفت إلى قسم العطور، أضع عطراً فوق الآخر:

“شانيل- فايف” بتاع الست مارلين مونرو الله يرحمها ويحسن إليها، مع برفان “جنيفر- لوبيز” الله يكون في عونها ويسهل لها، مع رشة من “دولسي فيتا”، ونفحة من “ديور” وبخة من “لان كووم”، ونقطة من “نناناريشي” ولمسة من “آلان ديلون” وبهذا الكوكتيل النادر من العطور العالمية الغالية، أكملت سيري نحو باب الخروج، والبائعات مازلن يتابعنني بعيون محبة شاكرة وابتسامات معجبة مشجعة، لم تكن تنم أبداً عن حجم المفاجأة، وبشاعة الصدمة، التي وجدتها على ملامح المرشد السياحي المصري، الذي كان ينتظرني حينها في السيارة، ليكمل بي برنامج الزيارة المعد مسبقاً ويذهب بي في المساء إلى رحلة بحرية، عبر مياه (الباسيفيك) على مركب سياحي فاخر، يحمل معنا وغيرنا عشرات السياح الأجانب من عليه القوم وأثرياء أمريكا، وقد أكد المرشد المرافق لي، وهو يسد أنفه بيده في قرف شديد، أنه لن يتستطيع أن يصطحبني إلى أي مكان، قبل أن أزيل تلك الرائحة الفظيعة التي تفوح مني عن بعد.

ثم أضاف يقول ما هذا؟ .. إنني أشعر وكأني في جنينة أو في مصنع عطور .. ألا تعرفين أن البرفان ضد حقوق الإنسان (؟).

– في البداية تصورت أنها نكتة للمزاح.. وجربت أن أتصنع الضحك، لولا أن المرشد أياه كان مصراً على الشرح، فأكمل بإشمئزاز شديد:

البرفان النفاذ سمة الشعوب المتخلفة والعالم النامي وهي ضد حقوق الإنسان في أي يتنفس الرائحة التي يريدها هو وليس شخصاً آخر..، لو أن أحداً شم رائحتك على المركب سيقفز إلى الماء ليبتعد عنك (!)

ثم اضاف: عندكم في مصر الذوق العام متماثل إلى حد بعيد.. لكن هنا في أمريكا الثقافات مختلفة والجنسيات متعددة والرائحة التي يحبها الصيني غير ما يحبها الهندي بخلاف الأوروبي والياباني والأمريكي.

قبل أن يكمل محاضرته في ثقافات الشعوب واختلاط الأجناس، ذهبت أهرول إلى حجرتي بالفندق ، كي أبدل ملابسي وأغسل وجهي، و نزلت ومعي فوطة محشوة مكعبات الثلج، وظللت طوال الطريق نحو المركب، أضع الكمدات فوق معصمي وحول عنقي لأزيل أي أثر لأية رائحة فوق جلدي، وكأني خارجة لتوي من مقلب نفايات كبير، أو أني كنت أضع “إيصانس شادية” وخلاصة روائح القطط الميتة وزيت الخروع وفسيخ شم النسيم!!

ناس لا بتفهم ولا بتقدر.. قطع البرفان على الأمريكان والمرشد السياحي وحقوق الإنسان في ساعة واحدة.. بلا مسخرة بلا قلة قيمة!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث