ديفيد… بعد نص الليل!

ديفيد… بعد نص الليل!

جيهان الغرباوي

صدق من قال “الجبن سيد الأخلاق” والأدب فضلوه عن اللحمة أم 70 جنيه!

بعيد عنك فيه ناس كدة، لا ينفع معاها ذوق ولا يحوق في جتتها نصح وإنسانية، ولا تمشي لا ينصلح حالها، إلا – لا مؤاخذة – بالسك على دماغها..

عندك أنا مثلاً (ومش عيب الواحد يعترف على نفسه عل وعسى الناس تتعظ وتعتبر) ياما أمي كانت تقوللي: يا بنتي عيب… صوت الكاسيت عالي قوي، يا بنتي وطي التليفزيون شوية، الجيران تقول علينا ايه؟ اعملي حساب واحد عيان.. واحد بيذاكر.. واحد عايز ينام…

والحقيقة إني كنت دائماً أسمع واقتنع وأقول حاضر، لكن الجيران كانت تلاحظ بعدها أن سلوكي الإنساني المتجدد، وعاداتي اليومية التلقائية، لم يطرأ عليها أي تغيير في أي مرة، ربما لصدق المثل الفلاحي القائل: “اللي ما علمهوش أبوه وأمه.. تعلمه الأيام والايالي”، وربما لأن القدر كان يخبئ لي موعداً محتوماً مع “ديفيد”!

أول مرة قابلت فيها “ديفيد” كان في مدينة “لوس أنجلوس” الأمريكية، التي قضيت بها يومين على سبيل الترانزيت ليس أكثر – منها تلك الليلة الباردة الكئيبة، التي كنت أشعر فيها بوحدة وخوف وإحساس عميق بالغربة، ومع ذلك استطعت إقناع نفسي، أن الشعور الأهم الأكبر وقتها هو شعوري بالجوع، الذي لا محيص من مقاوته، بالنزول إلى الشارع، لشراء أي شيء يصلح للعشاء.. وللافطار والغذاء في اليوم التالي إن أمكن.

على باب الفندق الذي كنت به، سألت الحارس عن أقرب سوبر ماركت، فوصف لي “رافس ماركت” الذي يفتح على مدار الأربع وعشرين ساعة ويبيع كل شيء تقريباً، وقال إنه ليس بعيداً جداً، أستطيع أن أبلغه سيراً على الأقدام، وإن شئت يمكنني ركوب تاكسي أو أي أتوبيس..

وحيث ان الغريب أعمى ولو كان بصيراً، خفت من ركوب التاكسي وحدي، في هذا الوقت المتأخر من الليل، وخشيت أيضاً أن أركب أتوبيساً يذهب بي في الاتجاه الخطأ، وعلى هذا كان المشي أضمن وأرخص، ورياضة تكافح الشعور بالبرد القارص وتقاوم أحاسيس النكد والانقباض.

ورغم أن فوائد المشي عديدة وشهيرة، وملايين الأشخاص في العالم وفي أمريكا يعرفونها – مثلي وأكثر – إلا أنني لاحظت أني كنت الوحيدة التي تمشي في الشارع يومها، وغير ذلك كان الناس المحترمون راكبين عربيات، وليس معي او حولي غير أنوار السيارات التي تلتمع في الظلام، وبعض يافطات الدعاية والإعلانات الملونة، المرفوعة فوق الكباري، وعند المفارق، وعلى واجهات بعض الأبنية والمحلات، وقد توقفت فترة ألتقط أنفاسي، عند إعلان ضخم مضئ يحمل صورة تشرشل، وهو يرفع أصبعيه بعلامة النصر، ومعها عبارة تقول ما معناه:

أبداً .. أبداً .. أبداً لا تيأس ولا تمل ولا تتوقف (!)

والحق أني حتى هذه اللحظة – التي أتحدث إليكم فيها – لم أعرف أصلاً عن ماذا كان ذلك الإعلان (؟!) لكني على أية حال اعتبرت أن السيد تشرشل – ساعتها – كان يقصدني بالخصوص، ويوجه كلامه لي على وجه التحديد، فواصلت السير حثيثاً نحو هدفي.

“رافس ماركت”، الذي بلغته أخيراً (بعد حوالي نصف ساعة من المشي والجري وتأمل إعلانات الشوارع) ومنه اشتريت الجبن والعصير، وخبز الذرة المقرمش بطعم الفيشار، مع بعض قطع الكيك بالعسل، والكيك بالسكر، والكيك بالمكسرات، وهي للعلم من أرخص أنواع الأطعمة في أمريكا، ربما لأنهم يعتبرونها أغذية غير صحية وضد الرجيم، أو تأكيداً لمبدأ (مفيش عيش.. كلوا جاتوه).

في نهاية الليل كنت أجلس في غرفتي على السرير، أتناول هذا العشاء العجيب بشغف أمام التليفزيون، و كان يعرض وقتها فيلماً أجنبياً تدور أحداثه في لوس أنجلوس.

ورغم أن الفيلم كان مملاً وأعتقد أني شفته قبل كدة، إلا أنني اكتشفت أخيراً لماذا كنت المخلوقة الوحيدة التي تسير في الشارع اليوم (؟) فقد ظهر من بعض مشاهد الفيلم، أن السير بشوارع لوس أنجلوس، وفي مثل هذا التوقيت المتأخر من الليل، مغامرة خطيرة، قد تعرض صاحبها للخطف أو للقتل أو السرقة بالإكراه على يد الزنوج المخمورين أو المسلحين من الذين يفرضون نفوذهم بالقوة الجبرية، على عدد من الأماكن والشوارع الأمريكية، وذلك لأن الذي.. التي.. هو.. البتاع..ال….

لم أستطع تجميع أفكاري، واكتشاف المزيد أومتابعة التفاصيل والأحداثفي الفيلم، فقد تهيأ لي فجأة أنني أسمع صوت طرقات قوية على الباب..

في البداية تجاهلت الأمر، وحاولت العودة والاندماج مع التليفزيون، لكن الطرق تكرر، بصوت وإصرار أكبر (؟)

تجمدت خوفاً في مكاني، وابتلعت ريقي بصعوبة، وحاولت تهدئة نفسي وإقناعها أنها تهيؤات، وخيالات، وهاموش، بسبب الأكشن والإثارة في فيلم السهرة ..

لكني سمعت الطرق مجدداً واضحاً! نظرت لساعة يدي الملقاة بجوار الوسادة، فوجدتها الثانية والنصف من بعص نص الليل.. تسحبت على أطراف أصابعي نحو باب الغرفة وقبل أن أضع أذني على الباب، دق الباب بقوة تنفي أية شبهة للوهم في الموضوع.

من الذهر قلت بالعربي:

(مين؟!؟)

ثم عدت أصحح السؤال، وأقوله بالإنجليزية (هوو إز..إت؟)

– أجاب صوت غليظ : أنا ديفيد افتحي.

– (يا خبر أسود.. وكمان اسمك ديفيد؟)

هكذا قلت لنفسي، ثم أكملت أسأله وأنا مرعوبة:

ماذا تريد؟ من أنت؟

– رد مكرراً: أنا ديفيد.. أريد أن أتحدث معك.. افتحي.

– نظرت من العين السحرية، فوجدت خلف الباب رجلاً أسودا زنجياً ( طول بعرض، قد الحيطة) ويرتدي بدلة رسمية كاملة.

لم أعرف وقتها أين أختبئ أو بماذا أستغيث فأعطيت ظهري للباب بسرعة، وألصقت يدي بالحائط القريب، واللي طلع عليا ساعتها (أي كااانت أي كااانت) بمعنى لن أستطيع أن أفتح لك!!

حاول ديفيد إقناعي أنه يريد الحديث معي وليس أكثر..

لكن على مين؟ اللي طلع عليا هيستريا (اي ي.. كااانت ..)

ساعتها اقتنع ديفيد أنه لا فائدة مني، فقال بصوت واثق آمر:

أنا ديفيد من طاقم أمن الفندق، صوت التليفزيون في غرفتك عالي، وقد اشتكى بعض نزلاء الغرف المجاورة، من فضلك اخفضي الصوت قليلاً أو أغلقيه!!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث