حكاية تحرش

حكاية تحرش

حسام عبد القادر

هل يتذكر أحد قصة فتاة المعادي عام 1985 تلك الفتاة التي قام أربعة من الشباب بخطفها عنوة من خطيبها وتناوبوا اغتصابها؟ أو قصة فتاة إمبابة التي حدثت بعد عدة أشهر من قصة فتاة المعادي عندما اغتصب سبعة من الشباب فتاة كانت تخرج من إحدى العمارات بصحبة أبيها ومحاميها، أو قصة فتاة العتبة عام 1992 عندما قام أيضا أربعة من الشباب باغتصاب فتاة وسط ميدان العتبة وهي تصعد لاستقلال الأتوبيس مع والدتها في حادثة هي الأغرب من نوعها؟

وغيرها من القصص الشهيرة التي ملأت صفحات الحوادث وما زالت على مدار العقود الأخيرة، بالإضافة لحفلات التحرش التي تحدث خلال الأعياد والمواسم أمام التجمعات ودور السينما، وكل الحوادث التي تمت خلال الثلاث سنوات الماضية فى التظاهرات والتجمعات.

نحن دائما ننسى، ونتذكر ما مضى عند كل حادثة جديدة، فتقوم الدنيا ولا تقعد، وتصبح القضية هي حديث الساعة، ثم تبدأ في التلاشي تدريجيا أمام أحداث أهم: اقتصادية، رياضية، أمنية، أو سياسية، وهكذا كل مرة.

ولذلك أرفض أن يتم ربط حادثة فتاة التحرير بأحداث سياسية، لأن الظاهرة موجودة منذ زمن طويل، وقد وقف الجميع يتفرج ويشاهد ويكتب ويتعجب والحكومة كانت دائما ضمن المتفرجين، تكتفي بمصمصة الشفاه والتحسر على الأخلاق التي ضاعت، دون أي قرارات حاسمة لمواجهة المشكلة أو تغليظ العقوبات أو مناقشة الأمر بشكل جدي.

لقد مر 29 عام على حادثة 1985 فلو كانت هذه حادثة حركت الأجهزة الحكومية واتخذت اجراءات صحيحة لمواجهة المشكلة لكنا الآن نجني ثمار هذا، فإن مواليد عام 1985 لديهم الآن 29 عام، أي فى عنفوان الشباب، فهل قمنا تجاههم بأي شئ لتنشئتهم وتعليمهم، بل على العكس ساعدناعلى زيادة جرعات الكبت الجنسي لديهم، من خلال حالة اقتصادية سيئة تمنع سبل الزواج، من خلال فن هابط بجدارة، تعليم على الورق فقط، نماذج سيئة أصبحت قدوة لدى الشباب، وهكذا.

لقد اكتفينا بفصل البنات عن البنين في المدارس وتركناهم معا في الباص، ودون بذل جهد لتعليمهم ما معنى إمرأة، بينما تحولت منابر المساجد للسياسة وتركت المعاملات والسلوكيات، فاستشرى الفساد فأصبح النشء والشباب يتلقون معلوماتهم من الشاشات: كمبيوتر، تلفزيون، أو موبايل، تفرغت الأسر لجمع المال لتستطيع توفير حياة كريمة للأبناء، دون توفير تربية كافية لهم، اختصرنا بكل بساطة صورة المرأة إلى مجرد أنثى للمتعة ونزعنا عنها صفة الإنسانية.

النساء يصرخن من زمن ولا أحد يسمع لهن، وقد بح صوتهن من الصراخ دون مجيب، وقد تهتم أجهزة الدولة فترة من الوقت بعد زيارة رئيس الجمهورية لفتاة التحرير بالمستشفى واعتذاره لها في لفتة كريمة، ثم ماذا بعد؟ سنتناسى من جديد وننتظر حادثة أخرى، وهكذا تدور العجلة دون وجود حلول مثل كل مشاكلنا التي نكتفي فيها بالمسكنات دون الحلول.

لقد تم التحرش بنا على مدار عقود عديدة مضت، فالتحرش ليس جنسيا فقط، بل اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وصحيا وفكريا وغيره من تحرشات عديدة تعرضنا وما زلنا نتعرض لها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث