أية ديمقراطية يختار السيسي؟

أية ديمقراطية يختار السيسي؟

إميل أمين

مع ظهور هذه الكلمات للنور يكون الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي قد خطا للتو خطواته الأولى داخل القصر الجمهوري بوصفه رئيسا للبلاد، ومختارا من العباد، لتدبير شؤون الأمة، ورفع ما لحق بها من أثار كارثية للغمة التي ضربتها في غفلة من المصريين.

المطلب الأول والاستحقاق الأهم الذي يتطلع إليه المصريون اليوم ويحلمون بمقدرة فائقة الطبيعة من الرئيس على تحقيقه هو “إقامة حياة ديمقراطية سليمة.. لماذا الديمقراطية وعن أية ديمقراطية يتحدثون؟

يقر الفيلسوف الفرنسي والديمقراطي العظيم “مونتيسكيو” صاحب روح القوانين، بان “الديمقراطية الحقيقية لم توجد قط ولن توجد”، لكنه ومع عدم مطلقيتها فان، فالناس في ظلها يعيشون حياة أفضل لاسيما حال المقارنة مع سكان البلدان غير الديمقراطية ، إذ يتمتع مواطنو الديمقراطيات بحريات اكبر على الصعيد الفردي، وباستقرار سياسي أفضل وتحرر من العنف الحكومي، ونوعية حياة أكثر تعزيزا ومخاطر أدنى بكثير تتعلق بمعاناة المرأة تحديدا.

يعن لنا في هذا السياق تساؤل جوهري: “أليس من حق المصريين لاسيما بعد الثورتين القريبتين جني ثمار دماء الشهداء، وتضحيات الثوار، وتحقيق آمال الجماهير، وتهيئة الأجواء الصحية السليمة للأجيال القادمة، من خلال “نشوء وارتقاء” نسق ديمقراطي مصري سليم؟

ربما يأخذ علينا البعض القول بفكرة وجود نسق ديمقراطي مصري انطلاقا من أن معايير وانساق الديمقراطية عالمية بالمطلق، لكن الأمر مردود عليه.

الحاصل انه تبدو في الأفق معضلة ذهنية حال الحديث عن الديمقراطية، إذ ترتبط الكلمة بسرعة البرق بالمشروعات الأمريكية، وبخاصة ما عرف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بمشروعات ” دمقرطة دول العالم الثالث”، وفي مقدمتها الدول العربية والشرق الوسطية، وارتبطت تلك المشروعات بفترة حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وروجت لها وزيرة خارجيته “كونداليزا رايس”.

ولان تلك المشروعات لم تتوافر لها النية الصادقة فقد فشلت فشلا ذريعا وجرت على المنطقة وبالا لولا لطف من الله وجسارة من الشعب المصري الذي أنقذ المنطقة برمتها من ويلات التبعات، دون ادني شوفينية مصرية في هذا القول.

اختصار القول لقد ذهب “بوش وكونداليزا، في نفس طريق “المعايير الأمريكية المزدوجة” المعتاد فتعاطوا مع العرب بطريقة مغايرة لتلك التي تعاملوا بها مع دول عالم ما بعد النظم الشيوعية، فاحتفوا على سبيل المثال بهزيمة الاستبداد في أوروبا الشرقية وجنوب الصحراء، ولكنهم لم يظهروا نفس الحماسة من اجل نشر الديمقراطية بين حلفاء أمريكا من الدول العربية، بل على العكس ساندوا حلفاء واشنطن في المنطقة ضد خصومهم المحليين.

لم تكن حقبة بوش – كونداليزا إذن هي بداية الصدام الديمقراطي إن جاز القول بين مصر وأمريكا تحديدا، ومصر والغرب بشكل عام، فالمسالة لها جذور منذ أن انبلج فجر الاستقلال المصري الحديث لكن الكارثة هي في التناقض القاتل بين ديمقراطيتين، على مصر اليوم أن تختار أحداهما، وعلى ساكن القصر تحمل تبعات الاختيار ، وقديما قال الفيلسوف واللاهوتي الدنمركي الشهير ” سورين كيركجارود ” أن مأساة الإنسان الحقيقي في الاختيار.

النموذج الأول هو الديمقراطية التي يراد لها أن تسود المصريين على حسب النسق والهوى الأمريكي وهي ديمقراطية رأس المال المتوحش، وقواعد العولمة غير الإنسانية، والاقتصاد الوسيط غير البناء، أي أنها ديمقراطية لا تحمل أبعادا حقيقية للتقدم الاجتماعي ، ولا للخلفيات الإنسانية للمجتمعات ولا للتراث الروحي أو للمنطلقات الثقافية.

واليقين المنطلق أن هذا النموذج لن يقود إلا إلى تمزق النسيج الاجتماعي المصري وتحلل حالة السلم المجتمعي وازدياد مستوى الطبقية بين عموم المصريين.

على أن ما حاولته الأنظمة المصرية السابقة منذ ثورة يوليو 1952، هو محاولة استيلاد تقدم اجتماعي دون عناء البحث عن ديمقراطية حقيقية ولذلك كان من الطبيعي أن تصل بنا الحياة السياسية المصرية إلى مشهد التجريف السياسي الآني بكل أعباءه السلبية.

هل من ترياق شاف من هذه المعضلة، أي الاختيار بين النموذجين المتقدمين؟

الحل هو ابتكار نسق ديمقراطيي مصري بمواصفات وطنية تحافظ على البعد الخاص بالتقدم الاجتماعي الشعبوي دون إخلال بروح الديمقراطية في أفضل حالاتها كما عرفها مونتسيكيو ذات مرة، نموذج مستقل على التبعية الأمريكية، وأي تبعية، نموذج مرتبط بالمصالح الحيوية لطبقات المصريين الاجتماعية المتباينة، دون تزاحم أو تضاد في الروح الواحدة، ديمقراطية يمثلها مجتمع مدني حقيقي، وحياة حزبية متجددة، وشباب فعال غير مقاطع، وخطاب ديني متحرر من عبء الانغلاقات التراثية القاتلة، عطفا على انسلاخه من حالة الانسداد التاريخي التي عاشها العرب والمصريون طوال عقود.

مبروك للرئيس السيسي وأعانه الله على ما قدر له.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث