إيران على واحدة ونص!

إيران على واحدة ونص!

جيهان الغرباوي

بين اللغة الفارسية والعربية كلمات كثيرة مشتركة، لدرجة تجعلك تفهم بالشبه أوزي ما تقول كده (بالويم)، معني معظم اللافتات التي تقع عليها عينك في الشوارع و الأماكن العامة في إيران.

خد عندك مثلا (سكاير ممنوع)، يعني ممنوع التدخين، (زبالة ونخالة ممنوع) يعني حافظوا على نظافة مدينتكم، المحل المكتوب عليه (عكس) محل تحميض صور، والمكتوب عليه (عينك) محل نظارات، ولافتة (تعمير) تعني أنك دخلت قسم الصيانة والتصليح، والطبيب (مغيب العقول) يقصدون به دكتور التخدير، أما (قسم التوليد) فلن تجده في المستشفيات، لكنها يافطة كثيرة التكرار في الشركات الكبرى ومصانع السيارات والمقصود بها قسم الإنتاج!.

وقد انزعجت جدا من وجود لافتة (المخابرات الإيرانية) في كل مكان ذهبت إليه في طهران، حتى فسروا لي الأمر أخيرا واكتشفت أنها مجرد إشارة للتليفونات وخدمات وزارة الاتصالات الإيرانية، حيث ان المخابرات عندهم تعني الاتصالات، أما التي وردت على بالي فيكتبونها بالفارسية

( استخبارات). …

يا سلام شوفوا الدقة، شوفوا قيمة الحرف الواحد في المعني والمغزي. (كنا هانروح في داهية لكن ربنا ستر) !

أفضل شيء عندما تكون في زيارتك الأولى لإيران مثلي أن تعتمد على لغة الإشارة، وتعبيرات الوجه ( بالنظرات، بالهمسات، أنت وظروفك) خاصة وأن معظم الناس هنا يعتزون جدا بلغتهم القومية وقليل جدا من يتحدث الإنجليزية أو العربية، لولا أن حظي السعيد أوقعني في سائق تاكسي عجوز شعره في بياض الثلج، بمجرد أن عرف أني وأصدقائي مصريون، لم يتوقف عن الكلام بالعربي والإنجليزي والفارسي معا!.

قال إنه يحب السادات جدا ويترحم علي أيام الشاه، وببساطة أكد أنه لا يطيق أحمدي نجاد لأنه يتحدث عن الفقراء فقط دون أن يفعل لهم شيئا، ورجال الدين الموالين له علي درجة من التزمت والزيف تستحق النكات التي لا يتوقف الإيرانين الآن عن ترديدها علي سبيل السخرية والانتقام منهم!

ثم عاد السائق العجوز، وحدثنا عن حبه لأم كلثوم والأهرامات الثلاثة, وفجأة وضع في مسجل السيارة موسيقي ( يا واحشني رد عليا. أزيك سلامات, ثم موسيقي رقص سهير زكى .. علي واحدة ونص), وحين رأيناه يترك عجلة القيادة ويرفع كلتا يديه ويرعشها بحماس في محاولة جريئة لتقليد الرقص الشرقي، الذي يعرفه من الأفلام المصرية, غرقنا في الضحك حتي كاد قلبنا يتوقف(!).

كانت قيادته سريعة ومغامرة لحد لا يتناسب أبدا مع تقدم سنه, لكننا فهمنا مع الوقت أن هذا شأن الشخصية الإيراني في الغالب: متمردة وجريئة ومفعمة بحب الحياة.

في المساء حين عدت إلي فندق (لالي) محل إقامتي الدائم في طهران كان موظف الاستقبال يضحك من قلبه كلما نظر نحوي، قلت لنفسي لا بأس يبدو أن المرح وحب الضحك هو أيضا من صفات الشخصية الإيرانية الأصيلة، لم اهتم ولم أتوقف عن تناول الشيكولاتة التي وضعوها في علبة كبيرة أمام موظف الاستقبال وفوقها يافطة بمعني أنها مجانية وكلمات أخري لم اهتم بتفسيرها، لولا أن صديقا إيرانيا يتحدث الإنجليزية أوضح لي فيما بعد أن الشيكولاتة والحلوي في إيران توزع غالبا علي روح المتوفي في العزاء، أوفي ذكري رحيله، واليافطة كانت تقول الشيكولاتة مجانية، خذ قطعة واقرأ الفاتحة علي المرحوم (فلان الفلاني.)، أخيرا عرفت سبب ضحك موظف الاستقبال في الفندق، لقد أكلت عددا مهولا من قطع الشيكولاتة بما يوحي أنني سأقرأ المصحف كله على روح المرحوم!. !!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث