مبروك لحمدين صباحي

مبروك لحمدين صباحي
المصدر: تاج الدين عبد الحق

أخيرا “عشنا وشفنا” في بلادنا المرشح الخاسر يهاتف المرشح الفائز، مهنئا. تماما كما في بلاد الخواجات.

في العادة، المرشحون الذين لا يحالفهم الحظ، يلجأون إلى التشكيك بنزاهة التصويت، وبحياد لجنة الانتخابات، وتدخل أجهزة الدولة.

في الانتخابات المصرية، التي تحمل السيسي إلى سدة الرئاسة، كانت هناك ولا شك عيوب وشوائب كثيرة في عملية الاقتراع، ومع ذلك فإن المحصلة النهائية كانت مقبولة نسبيا، وعبرت عن تطلعات الشارع المصري.

نعلم أن حمدين صباحي خاض معركة غير متكافئة مع المشير السيسي، وأن حظوظه من الاساس كانت معدومه. لكن وجوده في معركة الانتخابات، اعطاها مصداقية ونكهة كانت ستفتقدها لو غاب عنها، أو كان هناك بديل آخر غيره، فحمدين صباحي وتاريخه العريض في العمل السياسي، يجعله منافسا محترما لأي مرشح، ويعطي لفوزمنافسيه مصداقية قد لا تقل عن المصداقية التي تعطيها أصوات الصناديق.

ليس صحيحا أن حمدين صباحي لعب في الانتخابات دور المحلل الذي يعطي شرعية للانتخابات، أو المشارك في مواجهة حملات التشكيك التي يطلقها الإخوان صباح مساء والتي تصف الانتخابات الرئاسية بالمسرحية الهزليه، أو بالانتخابات غير الشرعية وغير ذلك من الأوصاف.

حمدين صباحي، تاريخا، وثقافة، وتجربة، ليس من الاشخاص الذين يمكن استزلامهم، واستخدامهم لتنفيذ أجندات سياسية لآخرين وإلا لكان حاله اليوم مختلفا، ولما كانت أمامه حظوظ في أن يكون ثالث الثلاثة، وبفارق ضيئل في الانتخابات الرئاسية التي جرت في2012 .

تاريخ حمدين صباحي في العمل السياسي تاريخ شفاف، لم يستطع منافسوه رغم كل عمليات النبش والتنقيب، إيجاد ما يعيبه فيه، وحتى محاولات تشويه العلاقات التي نسجها مع بعض القيادات السياسية العربية التي ترمى بالطوب حاليا، ثبت أنها كانت في سياق ظرف سياسي، وفي سياق موقف أخلاقي كان المطلوب فيه الانحياز لأهون الشرين .

الحديث عن حمدين صباحي في مناسبة فوز عبد الفتاح السيسي، ليس إشادة بالخاسر، ولا انتقاصا من الفائز، بل لأن صباحي أعطى لفوز السيسي قيمة إضافية كان يحتاجها وهو يخوض تجربة سياسية غير سهله.

المنافسة الشريفة وغير المتكافئة التي خاضها حمدين صباحي تؤسس لأول مرة تقاليد حول قواعد الاختلاف السياسي، ومنهجا جديدا حول طرق المنافسة البعيدة عن التزوير والعنف .

تقارب البرامج التي طرحها الرئيس الفائز، والمرشح الخاسر، والتي يرى البعض أنه تقارب أضر بحظوظ صباحي وقلل فرص فوزه، هو الأمر الطبيعي في الممارسات الديمقراطية الناضجة. المرشحون في أي انتخابات لا يختلفون في الاساسيات المحسومة أصلا في نصوص الدستور والقواعد المستقرة للعمل العام. الاختلاف، في العادة، اختلاف في السياسات والبرامج التنفيذية، وهو اختلاف يظل محدودا، لأن المعطيات اللازمة للعلاج واحدة.

الذين يتحدثون عن تقارب البرامج باعتباره عيبا شاب الانتخابات المصرية، ينظرون لهذه الانتخابات كما لو كانت صراع ايديولوجيات، وهو أمر غير صحيح، وغير مقبول. الذين أدخلوا الأيديولوجيا في معاركهم الانتخابية هم أولئك الذين يحاولون السيطرة المطلقة، والاستئثار بالسلطة، وهم أنفسهم الذين يرغبون في مصادرة الحقوق السياسية لمنافسيهم وفرض رؤيتهم على المجتمع وتجاهل مافيه من تنوع ثقافي وإجتماعي .

مصر اليوم بعد الانتخابات الرئاسية على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، لا تكون الديمقراطية فيها سباقا على السلطة، بل مشاركة فيها، فالفائز في الانتخابات الرئاسية له دور، وللخاسر دور أيضا. الرئيس الذي يحكم بحاجة إلى معارضة نزيهة وشريفة تقوم إعوجاجه وتنبهه إلى مواطن الزلل ونقاط الضعف، وتذكيره على الدوام أن الأيام دول، وأن السلطة غير دائمة، وأن هناك من يتابع ويحاسب من خارج دائرة المحاسيب والأنصار .

في يوم فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي ، اخترنا الحديث عن حمدين صباحي، لأننا نعلم أن السيسي كسب إلى جانب كرسي الرئاسة معارضا شريفا ونزيها بحجم حمدين صباحي سيكون عينا له من خارج دائرة أتباعه ومريديه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث