جودار يرقص على إيقاع مهرجان “كان”!!

جودار يرقص على إيقاع مهرجان “كان”!!

طارق الشناوي

ما يثيره جودار وقبله بالطبع اوليفييرا يتجاوز الفيلم إلى سؤال، هل هناك عمر افتراضي للموهبة.. تزهر.. تنضج.. تزبل.. ثم تموت وهو لا يزال علي قيد الحياة؟ نعم كما أن الإنسان له عمر فإن للموهبة فترة بقاء. تتدخل عوامل كثيرة في زيادة مساحات زمن العطاء أو في تقليص هذا الزمن ،إلا أن قانون الطبيعة له دائماً قوة لا يستطيع أحد أن يتحداه أو يتجاوزه ،لكن التحايل عليه ممكن والاستثناء الذي يؤكد القاعدة أيضاً ممكن!

كان الراحل صلاح طاهر 96 عاماً يتنفس فقط حتى أيامه الأخيرة أمام لوحاته فكان يذهب يومياً إلى مرسمه وظلت لريشته ومضاته الخاصة المميزة، الأديب الكبير نجيب محفوظ 91 عاما ظل يكتب أحلامه في ابداعات أدبية حتي رحيله، الموسيقار محمد عبد الوهاب 91 عاماً ظل ممسكاً بالعود لم يتوقف ابدا عن مطاردة الإلهام فلقد كان يحتفظ بالكثير من الجمل اللحنية التي سجلها على العود، ولديه أكثر من أغنية وقصيدة وقطع موسيقية خالصة كان يدندن بها قبل أن يودع الحياة، نجيب محفوظ 95 عاماً عندما عجز عن أن يمسك بالقلم وضعف النظر و تضاءلت قدراته السمعية، استجار بالأحلام فأحالها إلى إبداع وظل حتى لحظاته الأخيرة متمتعاً بخفة ظله وقفشاته.. أمينة رزق 88 عاماً وهي في المستشفى طلبت من المخرج حتى لا يتعطل تنفيذ المسلسل الأخير لها، أن تصور مشاهدها مع تعديل نكان التصزير من البيت للمستشفى وتؤدى دور مريضة، عبد الوارث عسر 87 عاماً لم يعتزل التمثيل ورحل أثناء تعاقده على فيلم جديد.

استمرار الفنان مرهون بقدرته على التجدد مع الزمن وأن يهضم الحياة لكى يظل مستقبلاً لكل نبض مختلف أو تغير في السلوك أو الذوق أو مدلولات وظلال الكلمات، ليس معنى ذلك أن يفقد شخصيته الإبداعية وهو يلاحق الإيقاع الجديد لكن عليه أن يدرك أن للزمن قانون آخر وهو ما يعني أن النغمة التي يتوحد عليها الناس تتغير.. النغمة ليست فقط في الموسيقى ولكن في أداء الممثل نغمة.. في الكلمة نغمة في أسلوب الإخراج نغمة وهكذا.

قد تتراجع كفاءة أدوات الانسان في التعبير بحكم الزمن مثلا صوت أم كلثوم تأثر سلباً منذ نهاية الستينيات وتحديداً بعد “الأطلال”، كانت هذه القصيدة التي رددتها عام 1966 هي أعلى قمة وصلت إليها مع الموسيقار رياض السنباطي والذي كان يرى أن على أم كلثوم أن تعلن اعتزالها بعد “الأطلال” وهو أيضاً كان سيعتزل التلحين، لكن لا أم كلثوم توقفت عن الغناء ولا السنباطي اعتزل التلحين، حيث لحن بعدها قصيدتين لأم كلثوم “من أجل عينيك عشقت الهوى” و “الثلاثية المقدسة”، وكان يعد لها قصيدة “انتظار” والتي غنتها سعاد محمد بعد رحيل أم كلثوم.

نعم الإبداع يتأثر سلباً مع مرور السنوات الذي لم ولن يفلت منه إنسان على مدى التاريخ ، ولكن على الفنان أن يرقص إيداعيا على إيقاع الزمن.

لم يعجبني فيلم جودار الاخير “وداعا للغة” برغم التصفيق غير المسبوق الذي حظي به في قاعة “لوميير” بعد نهاية العرض، ولكنى مبهور بإصراره على البقاء في الدائرة الفنية حتى نهاية العمر!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث