حفتر على خطى السيسي

حفتر على خطى السيسي

تاج الدين عبد الحق

حركة الجيش الليبي التي يقودها اللواء خليفة حفتر، قد لا تغير كثيرا من المعادلة السياسية الليبية، وقد لا تحقق الهدف الذي قامت من أجله، وهو وضع حد لفوضى السلاح والمليشيات.

فاللواء حفتر، رغم نواياه الطيبة الظاهرة، لا يبدو قادرا على تجميع شتات الجيش الليبي، ولا بسط سيطرته على كل المناطق، فهو لا يتحرك من المركز بل من الأطراف. والأطراف عادة لا سيطرة لها على مركز القرار السياسي أو القرار العسكري.

الوحدات التي تنضم إلى حركه حفتر تنضم بمبادرات خاصة وليس استجابة لأوامر تراتبية من القيادات الأعلى، وبالتالي فإن الولاء للحركة يظل ولاءً مزاجيا، وغير مضمون، وقد يكون محكوما بظرف آني، أو محكوما بحجم الامتيازات أو نوعية المواقع التي قد تعطى لقيادات الوحدات التي تنضم للحركة أو تعلن الولاء لها.

المشكلة الأكبر التي يواجهها حفتر، لا تقتصر على تجميع وحدات الجيش الليبي، وإستقطاب الولاء للحركة، بل في مدى توفر الإمكانيات له لمواجهة المليشيات التي باتت أكثر تسليحا وربما عددا من الجيش، بفضل ما غنمته تلك المليشات، من أسلحة متطورة من مخازن الجيش الليبي إبان الثورة ..

وهذه المليشيات تملك ميزة عسكرية قد لاتتاح لقوات الجيش. فالمليشيات بحكم تركيبتها وطبيعتها قد تكون مستعدة لإستخدام كل أنواع الأسلحة في أي مواجهة مع قوات حفتر، وهي لاتقيم في مثل هذه المواجهة وزنا للمدنين، بعكس الجيش الذي لديه قواعد انضباط لا تتيح له حرية الحركة، بالقدر المتاح للمليشيات.

الأمر الآخر أن الجيش بالرغم من التشجيع الذي يلقاه من قطاعات شعبية واسعة، يحتاج إلى جهد لإقناع قطاعات شعبية عديدة، بأنه لا يحاول إنتاج ديكتاتورية عسكرية جديدة شبيهة بديكتاتورية القذافي، وأنه يحاول تصحيح مسار الثورة ومنع إختطافها من قبل عصابات تتستر بستار الدين، وبدون هذا الإقناع فإن حركة حفتر ستفقد الكثير من زخمها وقدرتها على الإستمرار والتطور.

والشيء الإيجابي الذي يمكن تلمس آثاره، إلى الآن أن حركة الجيش الليبي، وهي تعلن أنها تعمل على مواجهة قوى التطرف والإرهاب، تتحرك في مناخ إقليمي موات، فكل الدول المحيطة بليبيا وحتى تلك التي تقف في الشاطيء الآخر من المتوسط، معنية بقصقصة المتطرفين ومنع تحول ليبيا إلى بؤرة لتفريخ قوى التطرف والإرهاب، ومصدر سلاح لتغذية نشاط القوى المتطرفة في الدول المجاورة.

على أن تناغم أهداف حركة حفتر مع تطلعات دول الجوار لا يعني أن هذه الدول مستعدة للانخراط الفوري في دعمه. إذ أن التجارب السابقة أظهرت أن التورط في حروب مع المليشات قد يكون مكلفا وطويلا. ظهر ذلك في الصومال وفي أفغانستان والعراق وفي سوريا ايضا.

الخطوة الممكنة في هذه المرحلة هي رفع الغطاء السياسي عن المليشات، التي استطاعت خلال المرحلة الماضية فرض أجندتها السياسية على ليبيا والتلاعب في تشكيل الحياة اليومية بما يخدم أهداف وغايات تلك المليشات. وليست إقالة رئيس الوزاء السابق علي زيدان وملاحقته، وفرض رئيس وزراء ينتمي للجماعات الإسلامية إلا مظهرا من مظاهر تلاعب تلك المليشات بالحياة السياسية الليبية.

رفع الغطاء السياسي عن المليشات، يتجاوز قدرة القوى السياسية الليبية، فهذه القوى بالرغم من أنها كانت شريكا في الاطاحة بحكم العقيد القذافي، إلا أنها همشت لصالح قوى قبلية ومناطقية، او لصالح قوى إسلامية متطرفة استفادت من مناخ الانفلات الإقليمي، وجيرت الدعم الدولي للثورة الليبية، من أجل تقوية نفوذها العسكري، وسطوتها المسلحة.

اليوم، وفي سيناريو شبيه بالسيناريو المصري، تنتفض القوى التي تسعى لمدنية الدولة، والتي تعمل على إشاعة جو سياسي يتيح تداول السلطة، وفق خيارات ديمقراطية صحيحة، يحميها دستور حديث.

وكما جرى في مصر، فإن تحرك الجيش الليبي هو صدى لمطالبة شعبية، باستعادة الثورة الليبية قبل أن تختطفها جماعة الإخوان المسلمين والقوى المتطرفة الأخرى المتحالفة معها.

الواجب الأخلاقي، والمصلحة الإقليمية والدولية، تقتضي من القوى التي ساعدت الشعب الليبي في ثورته على الديكتاتورية، ان تساعده اليوم لتصحيح المسار، وتخليصه من براثن القوى الظلامية التي تريد مصادرة حقه في مجتمع ديمقراطي، ودولة مدنية لا تفرض فيها رؤى سياسية أو ايدولوجية بغلبة السلاح، أو الإرهاب بكل اشكاله.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث