اعترافات مغتربة

اعترافات مغتربة

غادة خليل

اكتشفت مع مرور الزمن أن اصعب شيء هو أن تكوني فتاة مغتربة بمفردك وترغبين في الحفاظ على تركيبتك، التي هي نتاج لعادات وتقاليد ودين وبيئة تربيتي فيها، فلا الغرب يرحمك ولا الشرق يتقبل استقلالك والمنهجية الجديدة لحياتك.

وبالرغم من انني أكنّ إلى غربتي الكثير من العلم والمعرفة والاطلاع، إلا أن أكثر شيء استفدته هو أنني تمسكت بشكل كبير بقيمي العربية التي افتخر بها.

شخصيا أعرف أن الغربة مثل الدنيا، عندما تعطيك باليمين تسارع لتأخذ منك باليسار. منحتني تجربتي بمدريد فرصة ذهبية لصقل لغتي الاسبانية، فضلا عن رسالة الدكتوراة التي حصلت عليها من كبرى الجامعات. وفتح لي نجاحي في العمل في تحالف الحضارات كنوزا لا تقدر بثمن من الخبرات الانسانية والمهنية والثقافية، كون تلك المنظمة التابعة للأمم المتحدة تطمح إلى مد جسر نبيل من التفاهم بين شمال غارق في الرفاهية وجنوب تسكنه الهموم.

في المقابل سلبتني سنوات الغربة ”التي ارجو ألا تطول على اية حال” راحة البال ودفئ الأهل وسحر القاهرة الأسطوري.

في الغربة رأيت من ينطبق عليه المثل الشعبي المصري “من همه اتجوز أد أمه”، والهم هنا يبدأ بأوراق الإقامة ولا ينتهي بالبحث عن حفنة من اليوروهات.

رأيت المسلم الذي يقبل أن يتنصّر أولاده و “ترتبط” بناته دون زواج، في ادعاء زائف انه مضطر لمجاراة المجتمع الاوروبي، لكنك عندما تنظرين في عينيه لا تملكين سوى التعاطف مع كل هذا الانكسار.

رأيت أيضا أناسا من كل جنس ولون وشكل، فكيف لي أن أمحو كل ما رايت واكتسبت من خبرات؟ كيف لي أن اطوي صفحة اصبحت جزءا كبيرا من قصة حياتي؟

اعترف أن التعامل مع من حولي أصبح “دقيقا” بعض الشيء، فأهلي وناسي يعاملونني على اني أعيش في اوروبا وبالتالي فأنا متفتحة بعض الشيء، وفي الغرب يعاملوني على اني أنحدر من أصول عربية وبالتالي فأنا “مواطنة من الدرجة الثانية”.

في الواقع، ما أنا إلا مزيج من هذا وذاك، لقد أصبحت نتاجا لكل التجارب التي عشتها ورايتها ولمستها، وتعدد السفر جعلني أدرك أن الدنيا صغيرة وأن الانسان إن لم يتمسك بأصوله تاه وضاع حتى من نفسه.

كل منا بداخله “صندوقه الاسود”، والانسان ما هو الا خليط من الخبرات التي تعلق بعضها في الاذهان ويتوارى بعضها الاخر في غياهب النسيان، ويبقى الأصل مختبئا في هذا الصندوق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث