عون وجعجع: أنا أو لا أحد!

عون وجعجع: أنا أو لا أحد!

مارلين خليفة

يرّدد أحد أقطاب الطائفة المارونية في لبنان واقعة تاريخية تظهّر كيفية تعاطي هذه الطائفة المسيحية الصغيرة مع إستحقاقاتها الخاصة والوطنية الكبرى. في عام 1934 على عهد المفوّض السامي الفرنسي هنري بونسو وقع خلاف سياسي حادّ بين رئيس “الكتلة الوطنية” إميل إده ورئيس “الكتلة الدستورية” الشيخ بشارة الخوري (صار الخوري أول رئيس جمهورية للبنان بعد الإستقلال) وذلك على خلفية اختيار رئيس للدولة في ظلّ الإنتداب الفرنسي، فما كان من إميل إده إلا أن رشّح للرئاسة مفتي طرابلس ورئيس مجلس النواب محمّد الجسر، وكاد الجسر أن سنتخب رئيسا للدولة اللبنانية فعليا لولا تدخل البطريرك الماروني آنذاك أنطوان عريضة وتهديده بالزّحف الشعبي إلى مجلس النوّاب اللبناني.

فما كان من الفرنسيين إلا أن علّقوا العمل بالدّستور اللبناني وجمّدوا عمل مجلس النواب تحت ضغط بكركي التي هالها وصول مسلم سنّي إلى الرئاسة الأولى.

هذه الواقعة التاريخية هي فصل من من فصول تعاطي الزعماء الموارنة مع الإستحقاقات المصيرية، وهي تشير بوضوح إلى أنّ زعماء الطائفة المارونية يخوضون المعارك الرئاسية على شاكلة الحرب الطاحنة التي لا ترأف حتى بأبنائها، ويصلون في غلوّهم إلى حدّ تفضيل أن يخسروا كلّ شيء على أن يفوز أحدهم بالكرسي الأول.

وعلى اختلاف الحقبة التاريخية بين عهد الإنتداب الفرنسي واليوم، فإنّ الطباع المارونية لم تتبدّل قط. فالمرشحان الأساسيان لخوض الإنتخابات الرئاسية اللبنانية أي رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس “تكتل التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون مقتنعان تماما (كلّ على حدة) بأن أحدهما سيتبوّأ منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية.

ويتجاهل الإثنان المعطيات الداخلية وتوازن القوى المستجدّ بعد الطائف والمتغيرات الإقليمية وخصوصا الوضع السوري وتناحر القوة الإقليمية والدولية التي لا ترى في لبنان سوى “بلد للجوار السوري عليه أن يحافظ على استقراره كي لا يتدحرج “دومينو” الحرب السورية إلى المنطقة برمتها”.

يتجاهل الرجلان كل هذه الأمور ويركزان أنظارهما على الكرسي الرئاسي، والأنكى أنّ أيا منهما لا يمتلك أجندة ثانية في حال فشل التوافق على إسمه لتبوّؤ الرئاسة الأولى، أي أن القاعدة التي ينطلق منها الرجلان هي : أنا أو لا أحد ومن بعدي الطوفان!

إنها مأساة الطائفة المارونية التي بعد أن شكلت إشعاعا ثقافيا وسياسيا للبنان والعالم العربي راحت تتقهقر تدريجيا بفعل التناحر الداخلي الذي قضم طاقاتها وقدراتها الهائلة وحوّلها إلى “ورقة” تتلاعب بها الطوائف الأخرى أي الشيعية والسنية التي لا ترغب البتة بوصول رئيس ماروني قويّ إلى السلطة يتقاسم معها النفوذ، والمدهش أن الموارنة أنفسهم لا يريدون بدورهم هذا الرئيس القوي!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث