لا نريد بطولات كاذبة..؟!!

لا نريد بطولات كاذبة..؟!!

نظير مجلي

كوننا، نحن الفلسطينيين، ضحية للاحتلال ندفع ثمنه بتشرد دام 66 عاما وعناء لا تبدو له نهاية في الأفق، هو حقيقة لا تحتاج الى براهين. لكن هناك من يصر على اننا ابطال. نحقق الهزائم لاسرائيل. ونقيم مهرجانات النصر عليها.

في السنتين الأخيرتين، تمارس عصابات اليمين اليهودية المتطرفة، عمليات اعتداء إجرامية على مواطنين عرب في اسرائيل من فلسطينيي 48 وعلى أهلنا في الضفة الغربية شملت محاولات احراق عدة مساجد وكنائس وتدنيس مقابر، وبلغت اوجها في نهاية تشرين الثاني من السنة الماضية، عندما أشعل أربعة مستوطنين ملثمين نارا لحرق عائلة خالد دار خليل في قرية سنجيل، قضاء رام الله، عندما كان أفرادها السبعة نياما (خمسة اطفال أكبرهم في السابعة من عمره). لقد تجاوزت 400 عملية حتى الآن.

تعمل هذه العصابات في ظل بيئة خصبة في المجتمع الاسرائيلي، حيث تسود أجواء عداء وكراهية كبيرة ضد العرب عموما والفلسطينيين بشكل خاص. أحد البراهين على هذه الأجواء، نجده في قصة الجندي اليهودي الذي اشتهر باسم “دافيد النحلاوي” (نسبة الى وحدته العسكرية “ناحل”). فقد نشر صورة له على صفحته في الفيس بوك، يظهر فيها وهو يمتشق رشاشه ويصوبه نحو رأس شاب فلسطيني أعزل في الخليل، فيتباهى بها. وعندما هاجمه عدد من قادة اليسار ووسائل الاعلامم واضطر رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الى القول انه أمر بالتحقيق، نظمت حملة تعاطف معه فحصل على 120 ألف “لايك” (إعجاب). ووقف إلى جانبه عدد من الوزراء والنواب في البرلمان، بعضهم راحوا يمجدونه ويعتبرونه بطلا، مع انه كان هو نفسه قد لكم قائد وحدته العسكرية في الجيش.

فالاعتداء على الفلسطينيين سهل جدا في اسرائيل. والعقاب عليه صعب جدا. فحتى الآن لم تكتشف الشرطة الاسرائيلية ولا المخابرات سر تلك العصابات. وزير الشرطة يطلب اعتبارها “منظمات ارهاب”، حتى يأخذ الشاباك دوره في القبض عليهم، والحكومة تتقاعس عن الاستجابة لطلبه. والفلسطينيون يحذرون: “سنقيم فرق حراسة في بلداتنا العربية، فإذا أمسكنا بأي منهم أنتم تتحملون مسؤولية ما سيحدث له”، ولكن الحكومة لا تتأثر. حتى الولايات المتحدة تنتقد الظاهرة وتعرب عن استهجانها لعجز الشرطة الاسرائيلية عن وضع حد لها، وما زال أفراد العصابة منفلتين. ونشاطهم يحظى بتعاطف كثيرين. واليمين المتطرف يتغذى من هذا النشاط وما يتسبب فيه من تعميق للعداء والكراهية.

إن هذه العمليات لا تعتبر أخطر ما يواجهه الفلسطيني تحت السلطة الاسرائيلية، بل هي نفطة في بحر. ولكنها تعكس طبيعة المعادلة القائمة في بلادنا، وهي ان هناك شعب ضحية للعسف، هو الشعب الفلسطيني، وهنالك حكومة تقود إحدى أقوى دول العالم عسكريا وتتمتع بقوة هائلة اقتصاديا ولكنها لا توفر الأمن والأمان للانسان الفلسطيني، تسيطر على مقدراته وتنهب أرضه وتدوس حقوقه وتحكمه بقوة اضطهاد شديد وبطش سديد. ضحية وجلاد.

إلا أن هناك من يعش بين ظهرانينا ويريد أن يقلب المعادلة. فيردون على الاعتداءات بنفس العملة: فقد أقدم “مجهولون” على تشويه قبر يهودي. وأقدم “مجهولون آخرون” على قتل صبية يهودية قرب الناصرة. وهناك من يتحمس لهذه الردود ويعتبرها بطولة. وقبل ان تتفاقم هذه “البطولات”، لا بد من صرخة ضدها. فهي تريد جعلنا معتدين على الأبرياء، حتى نساعد الجلاد على أن يبدو ضحية، أو يجعلوه في حالة توازن: “هناك متطرفون من الجهتين والسلطة الاسرائيلية حكم بينهما”.

بالطبع، نحن لا نقول إن مثل هذه الاعتداءات يجب ان تمر من دون رد. فمن حق الضحية الفلسطينية ان تدافع عن نفسها في وجه الجلاد. ولكن، كيف يكون الرد، هو القضية. فالرد بنفس العملة هو أقصى ما يتمناه الجلاد. هناك ألف وسيلة كفاحية يمكن اتباعها لرفع الحيف. لكن من واجب الضحية ان تفتش عن وسائل كفاحية مفيدة وناجعة لمحاصرة الجلاد واجباره على الكف عن ممارساته. نحن لسنا بحاجة إلى بطولات كاذبة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث