الحي ابقى من الميت

الحي ابقى من الميت

جيهان الغرباوي

ذهبت للاردن مرتين في حياتي. احداهما كانت على عبارة من ميناء نويبع بناء على نصيحة صديق صحفي )الله يسامحه استغل سذاجة عقلي وضعف معلوماتي ، واقنعني ان السفر لسوريا ارخص لو دخلتها برا من الاردن ورسم لي خطة التوفير (كيف تسافر البلاد العربية بأقل التكاليف) :

من القاهرة لنويبع بالأتوبيس ثم من نويبع للعقبة الاردنية بالعبارة في البحر الاحمر ثم من الاردن الى سوريا عبر الحدود بالطريق البري الشقاء والبهدلة والسهر والعطش، هي اول تكاليف الرحلة وهي فرق السعر الطبيعي الذي ستدفعه حتما ، لانك ذكي وموفر ، ولا تركب الهوا .. ولا تسافر بالطائرة مثل بقية خلق الله المحترمين المقتدرين.

اما الميزة الوحيدة في تلك الرحلة ، فقد اكتشفتها بعد عودتي ، حيث كنت الوحيدة بين اصدقائي على الاقل التي تعرف بالتفصيل كيف غرقت العبارة السلام 98؟!

لقد سبق لي خوض نفس التجربة وركوب البحر في عبارة متهالكة، قد تكون اشد بؤسا من السلام 98 لولا ان عمر الشقي بقي، والعين صابتني ورب العرش نجاني

ذكرياتى عن الاردن كثيرة ، وطريفة ، لكن الذهاب للبحر الميت له شأن اخر فهو ميت عندنا وحدنا.

معظم العرب يرون منطقته ملعونة وميتة ( و قد ناديت اذ ناديت حيا .. ولكن لا حياة لمن تنادي ) بينما السياح الاجانب يتبركون بماء نهر الاردن الذي تعمد فيه السيد المسيح وينزلون البحر الميت في بهجة ، يكفى انه بحر لا يغرق فيه احد ، بسبب شدة ملوحته، حتى الطين في اعماقه يستخدمونه (ماسك تجميل ) لتنشيط البشرة وعلاجها ومنح طاقة استرخاء للجسم لا مثيل لها، وقد فعلت مثلهم وجربتها فنمت من فرط الاسترخاء داخل السيارة ، على طريق العودة للفندق!.

لماذا نحن (نكدين ) ؟ لا نقرأ من الدنيا غير سطور الموت وصفحة الوفيات وهم يقرأون منها صفحات السياحة والسفر والصحة والموضة والاقتصاد..

هم يستمتعون ويعشقون الحياة حتى على اطراف البحر الميت ونحن تعساء (مدهولين ) ولو كنا على نهر يجري!.

علمني السفر الى الدول العربية اننا شعوب تعيسة لا متخلفة ولا فقيرة واكتشفت ان تقسيم الدول ، لا يجب ان يكون فقط بمقياس التحضر العلمى والمستوى الاقتصادى والتقدم التكنولوجى او حتى بقوة التسليح بل يجب ان نقسم الارض الى شعوب سعيدة واخرى تعيسة.

وسنقع حتما في منطقة الفقر المائي والمعنوي معا ، برغم ادعاء التدين والاصالة والعراقة.

نحن لا نعرف كيف نستمتع ، ولا كيف نحيا سعداء ، ولا كيف نعمل متحمسين وقد حكى لي صديق مصري مهاجر ، ان سيدة امريكية في الولاية التي يعيش فيها سألته مرة :

كيف وانتم المصريون الذين بنيتم الهرم العظيم تصلون الى هذا المستوى المذري من الحياة. انكم تقريبا لا تعملون؟

سألها في جدية مصطنعة: الم تلاحظي ان بناء اهرامات عظيمة الى هذا الحد قد استدعى بالضرورة بذل مجهود خرافي؟

اجابته: بالتأكيد

قال وهو يضحك. اذن دعينا نستريح قليلا. .. بعد هذا المجهود الا نستحق اجازة 5000 سنة؟!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث